تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله-نسأ الله في أجله (٢)

-:

هو سديد الرأي شديد الفهم، بارع الإنشاء رقيق النظم. متلفع ثوب الفصاحة، ورافع راية البهاء والصّباحة. قد امتطى صهوة طرف النّهى، وتقلد نجاد سيف حسن الرّواء. وباعه في المشاركة في العلوم مديد، وله معرفة بطارفها والتّليد. وهو الآن في الدولة المستنصرّية، والإمارة المرينية، كاتب سرها ورئيس كتابها، والمعظم في وزرائها وحجابها. تحت برّ وإكرام، وسيب إنعام.

وما ذاك إلا للذي حاز من علاومن مكرمات ما لها في الورى محص

فمن قوله يمدح ملك المغرب أمير المسلمين أبا فارس عبد العزيز المريني:

وهي مولدية ورفعها له في عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة:

قف بالدّيار فهذه أعلامهايهدى إليك مع النّسيم سلامها
وإذا وقفت بها فحيّ ربوعهاوذر المدامع يستهلّ غمامها
لنجود هاتيك النجّود وننتحيتلك التّهائم بالدّموع سجامها
فتعود روضا دبّجته يد الحياويميل ريّا أثلها وبشامها
يا نظرة أرسلتها في عبرةبين الطّلول فشاقني آرامها
وأطلت بين كناسها وعرينهالهفي فطال بأينقي إرزامها
ذكرى حبيب ما ذكرت عهودهإلا وصال على الضلوع هيامها
عهدي بها الحيّ الجميع ودونهأسد الشّرى ومن القنا آجامها
لم ترن عين الشّمس هالة بدرهاإلا وضلّل بالقتام خيامها
فمن المزاور والأسنّة والظّبامتوقّد حول القباب ضرامها
ومن المؤمّل غير طيف خيالهالو كان يحظى بالجفون منامها!
فاليوم بعد نوى الأنيس مقوّضاأقوت معالمها وصخّ وسامها؟
واستوحشت أرجاؤها، وتجاوبتأصداؤها، ودعا الهديل حمامها
أقوى ملاعبها التي جدّ الهوىلما تضوّع رندها وخزامها
وجدي على تلك الظّباء وقد نأىمنها المزار فما استعيد لمامها
إنّي ليحرقني أوار صبابتيويهيجني للآبجات غرامها
فلكلّ لمحة شارق أو بارقأهفو فتغلب مهجتي آلامها
يا صاحبيّ عن الرّكائب حدّثافزمامها ما تعلمان ذمامها
ودعا حديث اللّوم عنّي إنّهيذكي لهيب العاشقين ملامها
لما بصرت بطالعات الشّيب فيشعرات رأسي واستنار ظلامها
وذكرت ما أسلفته فيما مضىمن موبقات راعني إجرامها
أقبلت أطّلب المتاب وإنّهصعب على هذي النّفوس فطامها!
أين الرّجال وصدقها في زعمهاهيهات يضمن صدقها تزعامها
لولا النّبيّ الهاشميّ محمّدخير الأنام شفيعها وإمامها

[/آ]

لقضى على النّفس الظّلوم إياسهاولحمّ من خوف الجحيم حمامها
لولا النبيّ الأبطحيّ محمّدلم تعرف الكفّار ما إسلامها!
كم أمّة ممحوّة آثارهاكم شرعة منسوخة أحكامها
كم عصبة مغلوبة أنصارهاكم ملّة مكسورة أصنامها
أيقظتها بهداك يا صبح الهدىمن رقدة لعبت بها أحلامها
في فترة أخفى الشرائع ليلهاوسطا على إشراقها إظلامها
والجاهليّة تعتدي كي تعتليسفها ويخضع للصّليب طغامها
عميت بها الأبصار عن إدراكهاسبل الرّشاد وظلّلت أحلامها
وأتيت يا علم النّبوة صادعابالحقّ تأبى أن يزيغ قوامها
وأتيت يا نور الإله مبصّراأهل العماية فاهتدت أفهامها
وحملت في ذات الإله شدائداراعت سواك وما زهتك جسامها
ناجزتهم بالمعجزات شواهدايفري حجاج المبطلين حسامها
أعجب بناطقة الجمادات التّيما كان يفصح ناطقا إعجامها
أعجب بتكثير القليل براحةيكفي الألوف شرابها وطعامها
أعظم بإنزال الكتاب كرامةأربى على الرّتب العلى إكرامها
فالعرب خاضعة الزّمام لعزّهإذ عزّها بمثاله إلمامها
والبدر شقّ وعادت الشّمس التيغابت فأشرق نورها وقسامها
وبليلة الإسراء أكبر آيةجلّت مكانتها وعزّ مرامها
شاهدت والتّقريب يشهد أنهبعلوّ قدرك مؤذن إعلامها
بك شرّف الله النبوّة فاعتلتوسما على سمك السّماك مقامها
فالأفق ملتمع الضّياء بنورهاوالأرض طاب وهادها وإكامها
إن تسر في الأنصار سارية لهاحذرا ليوم تروعها آثامها
فإليك أكرم شافع إنجادهاوإليك أكبر مرسل إتهامها
لم تقض حقّ المجد إلا عصبةأمّت معاهدك الكرام كرامها
يا مصطفى الرّحمن كم من آيةبهرت بصدقك واستبان تمامها
أوصاف مجدك لا يحيط بمدحهاذكر ولا حصر به إتمامها
ماذا يقول المادحون ودرّهافي الوحي أنزل فذّها وتؤامها
لله مولدك الكريم وفادةوإفادة يروي الظّماء جمامها
هو أكبر الأعياد بشرى آذنتأن [لا يودع؟] شهرها أوعامها
وافى ربيع الخير منه بليلةعن وجه ذاك البدر حطّ لثامها
طفئت بها نيران فارس بعدمالم [تطف] ألفا عدّدت أعوامها
والنهر غاض وكان بحرا زاخراوتداعت الشّرفات يسجد هامها
هي ليلة فاق اللّيالي فضلهاوتشرّفت بزمانها أيامها
أبدى الكريم إمامنا تعظيمهاوله يحقّ بواجب إعظامها
فهو المليك الصّالح العلم الرّضامحيي الشريعة؛ عزّها ونظامها
وهو الخليقة وارث الملك الذّيمنع الخلافة أن ينال مضامها
حامي الحقيقة فاعلا أو قائلافخر الملوك إمامها وهمامها
هو للغواة شتاتها، هو للعفاة حياتها، هو للعداة سهامها
عزّ انتصارا للّذين بعزّهلاذوا وألصق بالغواة رغامها
في اللّيث من وثباته وثباتهشبه يقرّ بفضله ضرغامها
في الغيث من جدوى يديه مشابهلو لم يشق سحب الحيا إنجامها

[/آ]

تندى غضارة بشره فكأنّماحامت على ورد النّعيم حيامها
وتريك أفواف الرّياض يمينهمهما جرت في رقّها أقلامها
لم يثنه الملك العظيم عن التيضمن الثّواب بخطّه إحكامها
هذا وللخطّي منها هولةفي الحرب تهزأ بالدّروع سطامها
يا ابن الملوك وإنّهم لملائكفي الصّالحات علت بها أقدامها
لله فيك سرائر شهدت بهاآثار عدلك صادقا إفهامها
تلك الخلافة من مرين أصبحتوالدّين والدّنيا لديك قوامها
فلعزّ نصرك دائما إسراجهاوعلوّ أمرك دائما إلجامها
إنّ الليالي أنتم قوّامهاإن الهواجر أنتم صوّامها
إنّ المعارف منكم استهداؤهاإن العوارف منكم استتمامها
فرغت ثنايا المأثرات حسانهافرعت مراعي المكرمات سوامها
لك صدق وعد الله في إظهارهللدّين أنت لها، وأنت عصامها!
لك في الجهاد سريرة أخلصتهالله فلينشر عليك علامها
لك راحة في الجود راحتها وكمكف بمنع نوالها إفعامها!
ولك المواضي الفاتكات صفاحهاولك الأيادي المالكات جسامها
ولك الإيالة شاهدا إقبالهاإن السّعود بها يكون دوامها
هامت بها مصر فلو واصلتهالرأت شبيهة عمرها أهرامها!
ولو أنّ بغدادا أردت وجلّقالهوى إليك عراقها وشآمها
إن الفتوح عليك يخفق بندهاولديك فيما ترتضيه قيامها
وعداك عوّدك الإله بأنّهاإن لم تطعك تحط بها آثامها
تلك العطاية عبيد الواد لميرفع لها علم ولا أقوامها
نامت لهم عين الحوادث برهةفاستيقظت من بعد ذاك نيامها
لا تحسبنّ لها غناء في الوغىفوراؤها عند الهياج أمامها!
إن الإله قضى لها مهما بدتتخفى، وعند وجودها إعدامها
أنت الّذي ترث البلاد وأهلهامنها سوى ما حازه أرجامها!
لك من سعود «المشتري» ما شئتهولها نحوس ذلّها بهرامها
إن الشّقيّ وإن تولّى مجفلافي النّازحات كما يراع نعامها
لتسوقه الأعراب خادمة بهويقود ناقته إليك زمامها!
ويحلّ حيث مضى الذّين، تقدّمواطوع السّيوف هوى بهم إلحامها
مولاي يا عبد العزير ومن لهتحدى الرّكائب والرّجاء خطامها
يا ابن الإمام عليّ الملك الذّيدانت إليه من الملوك ضخامها
نجل الإمام أبي سعيد ذي النّهيوالكفّ تطمع بالعطاء رهامها
نجل الرّضا يعقوب ذي الملك الّذيملك البسيطة فاستقام أثامها
خذها إليك مدائحا أهديتهاكالزّهر يطلع زهرها أكمامها
حملت شذا أوصافك الغرّ الّتيأرجت بعرف ثنائها أيّامها
واهنأ بميلاد الرّسول مسرّةخفقت على دين الهدى أعلامها
واخلد ودم ما خلّدت أمداحهكالمسك ينفح بدؤها وختامها

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.