من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-أكرمه الله (٥)
-:
ظهر له في القريض باع أي باع، وكان لمعانيه جلاء وللثنايا اطلاع. وهو مجيد في فكرته، يأتي بالغرابة في رويته، وقد انقادت له ركائب الآداب بأزمتها، وتجلت له شمس البديهة عن ظلمتها. إلى خلق في الفضائل ممكنة، وأفعال حسنة بسنه.
أنشدني لنفسه، ورفعها ليلة مولد رسول الله ﷺ من عام سبعة
وخمسين وسبعمائة، لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس وعارض بها قصيدة الشيخ الفقيه الإمام العالم الصّوفي المحقق أبي عبد الله محمد بن خميس الحجري التي أولها:
أمّا المشيب فقد لاحت لوامعهفما لدمعك لا تهمي هوامعه
فقال-نسأ الله في أجله-:
هل العقيق وما ضمّت أجارعهكما عهدناه أم أقوت مرابعه
وهل تغيّر بان الحيّ بعد نوىأهليه أم روّضت خصبا أجارعه
ديار سلمى سقاها من ديار هوىمن صيّب الغيث هاميه وهامعه
قفا بها إنّ عهدا للطّول علىدمعي السّكيب بأن تجري دوافعه
وهلّ وقوف محب بالطّول علىإثر الخليط الّذي قد بان نافعه؟
لله عهدك يا ربع الألى ظعنواأيام روضك غضّ الدّوح يانعه
أيام ظبيك لم تقفر مراتعهمنه، وبدرك لم تظلم مطالعه
ودار سلمى بجرعاء الحمى كثبومورد الوصل لم تحظر مشارعه
لعمر سلمى لقد بانت وما تركتسوى جوّى يسفع الأضلاع سافعه!
ومنية يترجّاها على طمعمنه ويأبى مشوق القلب جازعه
في ذمّة الله قلب كلّما ذكرتسلمى تغصّ به خفقا أضالعه
وإنّ سلمى لظبي في النّفار وفيطرق الملالة قد أعيت منازعه
ماذا تجرّعت من مرّ الغرام هوىيا قلب فيه، وماذا أنت جارعه!
أبيت ليلي من جرّاه مكتحلابالسّهد وهو نؤوم الجفن هاجعه
أدافع الوجد في سلمى فيغلبنيوالوجد لا شكّ مغلوب مدافعه!
أخادع القلب عنها وهو يخدعنيكذلك القلب مخدوع مخادعه!
ويح المحبّ لقد نمّت شمائلهبحبّه فهو خافي السّرّ ذائعة
وأيّ واش به في الحبّ يكذبهسهاده أم ضناه أم مدامعه؟
أم نفثة قذف الوجد الصّميم بهاطيّ النّسيب وقد رقّت وشائعه
هل تعلمان له راق فيطمع فيبرء أم الحبّ داء عزّ دافعه؟
أو ملجأ غير أعلى الخلق منزلةيوم الحساب وقد راعت روائعه
خير البرية أولاها وآخرهاوحائز الفضل دانيه وشاسعه
يا ليلة أسفرت عنه ظفرت علابالفخر قد ملأ الأقطار شائعه
ضاءت لمولده الآفاق واتّضحتسبل الرّشاد بما جلّت نواصعه
وأصبحت صور الأصنام من وجلوالكلّ ناكس أعلى الهام خاضعه
وأمسك النّهر خوفا عند ذلك إذأحسّ بالجود قد فاضت ينابعه
وأخمدت نار كسرى وهي ما علمواوقودها قبل وارتجّت مصانعه
وكم دليل له من قبل مبعثهوبعده صدع الظّلماء ساطعه
كآية الغار لمّا قام ناسجهمن دونه وأوى للوكر ساجعه
وأعلمته ذراع الشّاة مشفقةبسمّها ليته (يفتض) ناقعه
والضّبّ والذّئب تصديقا له نطقاوالطّفل أفصح لم تفطم مراضعه
والشمس والبدر هذي ردّ غاربهابعد الأفول، وهذا شقّ طالعه
والماء فاض معينا من أصابعهوهل بحور النّدى إلا أصابعه؟
وعاد في الرّوع جدل النّخل من يدهباللّمس أبيض لا تنبو مقاطعه
والغصن لمّا دعاه جاء مؤتمرايخطّ في الأرض لا شيء يمانعه
والجذع أسمع ترديد الحنين لهلو لم يفارقه لم يسمعه سامعه
آيات صدق جلت علياء منتخبلم يطلع الكون من خلق يضارعه
مؤيّد بجنود الله يكنفههاد إلى الحقّ مهدّي متابعه
مخصّص بمزايا القرب طولع منمعارف الغيب بالمختوم طابعه
وأوتي الكلم الوضّاح حكمتهولامرئ قبل لم تجمع جوامعه
ما وصف فضلك يا أعلى الورى شرفابممكن فيطيل القول واضعه
وكيف يدرك أوصافا وقد فرعتمرقى العقول وإن جلّت فوارعه؟!
يا صفوة الله والدّاعي برحمتهإلى النّجاة بما سنّت شرائعه
دعاء محتقب ذنبا أضيق بهذرعا فأمّا حماك الرّحب مانعه
لولا تمسّكه قدما بحبك ماإن كاد يطمع في الغفران طامعه
حب إليك-رسول الله-أخلصهقلب تقلّبه شوقا نوازعه
كن شافعا لي أسعد بالمفاز غدافما السّعيد سوى من أنت شافعه
يا أكرم الرّسل يا أعلى الأنام علايا خير منتجع ترجى نواجعه
أعلّل النّفس تعليلا بقربك لــكنّي أرى القرب قد سدّت ذرائعه!
ولي على الدّهر دين لثم تربك لــكنّ التّقاضي تلويه موانعه
ما كنت آمله لولا الخليفة لازالت تؤمّل للحسنى صنائعه
إمام عدل وإحسان سمت شرفافروعه وزكت طيبا منابعه
من عصبة أثلّوا المجد التّليد علاودوّخوا الكفر فاستخزت بواقعه
يا آل يعقوب أعلى الله ملككمفهو الملاذ الّذي ترجى مفازعه
ما آل يعقوب إلا مرتقى شرفسامى النّجوم ففات النّجم فارعه
بنى له المجد عبد الحقّ معتلياوجاء يعقوب للغايات تابعه
ويوسف ثمّ عثمان ونجلهماعليّ معلي منار المجد رافعه
وفارس البأس والإنعام من علمتبه الملوك، مذلّ الشّرك قامعه
مؤيّد الأمر لم تحجم صواهلهيوم النّزال ولم تكهم قواطعه
ليث الحروب إذا ماجت كتائبهاغيث الجدوب وقد راعت طلائعه
سل كلّ قطر بما وفّى نداه بهإذ أخلف القطر واغبرّت مواقعه
والبدو والحضر كم أحيت مواهبهوالطّير والوحش كم أردت وقائعه
غمر النّوال عطوف محسن جبلتعلى المكارم والرّحمى طبائعه
ما زاده الله من عز لعزّتهإلا وزاد له فيه تواضعه
أبا عنان لك الخيرات من ملكعاصيه قد خاب لمّا فاز طائعه
أعليت دين الهدى لا زلت معتليافعزّ أهلوه واستخذى مماصعه
ومجتد أنت معبيه وجابرهومعتد أنت مقصيه ورادعه
وجنح ليل تجلّى عنك فاحمهوأنت قائمه برّا وراكعه
وموسم جلّ قدرا باعتناك بهراقت لياليه وازدانت سوابغه
يذكّر الخلد، نال الخلد منزلةمقيمه يبتغي الزّلفى، ورافعه
تمّت بسعدك فيه كلّ معجبةوانقاد كلّ بديع الحسن رائعه
وآلة للمواقيت استقلّ بهاصنع تفوت النّهى لطفا صنائعه
أبياتها عدّ أبراج السّماء ولاقطب ولا فلك تدرى مواضعه!
يجري الهلال عليها جريها أبداعلى المنازل صنع فاق بارعه
وفي البيوت جوار كلّ واحدةمنهنّ خصّت بميقات تطالعه
حتّى إذا جدّ إسراعا لوجهتهوحمّ منه فراق حان واقعه
وأذّن الطّير من أعلى مراقبهببينه معربا عن ذاك قارعه
ثارت هنالك توديعا له ودنتإلى الفناء على ذعر تشايعه
وفي اليمين كتاب باسم موقتهاإلى الإمام وقد أومت تبايعه
وشامخ المرتقى آوى لأفرخهبالوكر وهو أمين السّرب وادعه
أتيح عمدا له مستشنع سبطرحب القذال صقيل الطّرف لامعه
أحوى الأديم يجاري دونما قدمهوج الرّياح، حديد النّاب قاطعه
جمّ التّقلّب لم تؤمن غوائلهغدرا، وتحذر من ختل خدائعه
يسعى له الحين بعد الحين يرزؤهثكلا فيصفرّ خوفا أو يقارعه
كذلك اللّيل لا ينفكّ مختلفاإليه وهو عن الأفراخ دافعه
ومثله لأخيه ينتحيه وماإن منهما ليله إلا مقارعه
كأنّما الصلّ أمسى ممسكا فإذاما ساعة ذهبت ثارت مطالعه
وظنّها آخر السّاعات قد أذنتبفطره فسما للفرخ لاسعه
رياض حسن بدا لولا سعودك لمتستجل يا مالك الدّنيا بدائعه
في ليلة آنست مرأى ومستمعالا شتّ من شملها بالأنس جامعه
نودّ فيها-وإن لم نعط ذلك-أنلو عرّس اللّيل أو مدّت هوازعه
قد حجّب السّجف عنّا شهبها وبدتكواكب الشّمع إذ صفّت مشامعه
ولم يكن يا أمير المؤمنين بهاإلا محيّاك من بدر نطالعه
بقيت للدّين والدّنيا تزينهماوالملك ما صدع الإظلام صادعه
وهاكها من خبايا الدّهر قافيةتزهى على الدّر قد صفّت رصائعه
أهداكها فائق الإبداع باسمك مارقت مباديه أو رقّت مقاطعه
وقد تعمّد فيها وصف معجبةأجاد في صنعها لا شكّ صانعه
لم ينعت البعض منها عن مشاهدةلكن بما هو في الأخبار سامعه
فإن أصاب فذاك اليمن سدّدهقدما وإن لم يصب فالحلم واسعه
يتلى بحمدك من أمداحه كلميبلى الزّمان ولا تبلى وشائعه
لو مرّ بابن خميس وفده لدريبأنّ ثمّ خميسا لا يماصعه
قضى له الدّهر تأخيرا ولا عجبتأخّر الشّمس عن فجر تتابعه!
وأنشدني أيضا لنفسه يمدحه، ويصف قتل الأسد بين يديه بقصره، والثور المقاتل للأسد، والأكرة، والمخاتل، وغير ذلك مما يلعب به مع الأسد:
أسرى فهيّج لاعج البرحاءبرق أضاء له من الجرعاء
أهدى-وقد نام الخليّ عن الحمى-خبرا وطار بطارق الإغفاء
وحكى به أنّ الثغور بواسموضّاحة والبيض ذات مضاء
هرق الوميض وإنّ في كنف الحمىلشبيهة بالجونة الغّراء
تجلو عن البدر اللّثام وإنّماتفترّ عن بدر وعن صهباء
عبث الصّبا بقوامها عبث الصّبابالغصن [علّ] بواكر الأنداء
زارت وجنح الليل معتكر ومندون الزّيارة ملتقى الأعداء
والزّهر كالأزهار إلا أنّهانثرت خلال بنفسج الظّلماء!
والبدر يسبح في الغمام كأنّهمرآة هند وسط لجّة ماء
ضاءت بشهب حليّها شهب الدّجاوأتتك تمشي مشية الخيلاء
أنّى أمنت-هديت-غائلة السّرىوالواشيين: تأرّج وضياء
لم ترهبي الآساد غلبا، والظّباقضبا، وجبت مضلّة البيداء!
قالت: أما أحييت منك متيّما؟أنّى أضلّ، ودنت بالإحياء؟
أيرى ضلال والخليفة فارسفي الأرض أن يلفى على الغبراء؟
يمّمت علياء فما من منذرأخشى ولمّا أرّج ماء سماء
صرّاف عادية، مزيح ضلالةفرّاج داهية، عظيم غناء
تجلو الأسرّة منه بدر مكارمويفيض منه الجود بحر عطاء
وتهيج منه الحرب ليث ملاحمويقرّ منه الحلم طود علاء
هلا سألت به الغيوث فإنّهمهما استهلّت فاضح الأنواء
وسل اللّيوث تجبك صدقا؛ إنّهاأدرى بفتكة عضبه المضّاء!
لله يوم في حماه مفضّض الــإصباح منه، مذهّب الإمساء
رتعت به الأبصار بين عجائبرقّت فراقت كل طرف راء
وأجشّ منهرت اللها نهد الطّلاعبل الجزالة محكم الأنساء
طاوي الحشا، رحب المقدّم، عابسمتطلّع عن جذوتي ظلماء
بل كوكبين تقارنا بجبينهلحدوث ما نبأ من الأنباء!
وأرى الأهلّة في البدور وإنّمايعتدّها للأزمة الدّهماء
يفترّ لا لتبسّم يعتادهويعانق الأقران لا لإخاء
قد طالما سهرت مخافة بأسهدون الخلال طلائع الأحياء
قذفت به الأقدار بين مخاتلومكابد ومناجز ومناء
رفعوا لموقت حتفه كرة فلمتبرز له إلا طويل شقاء!
جاؤوا بها شمسا تيمّم بيتهامنه، وإنّ اللّيث بيت ذكاء
عجبا لها جازت إليه النّور لمتجنح إلى السّرطان والجوزاء!
ومعدّلو الشّبكات بعد تردّدحكموا عليه بشدّة ورخاء
ألقوه في التّابوت ثم تعمّدواإرساله؛ أبقوه لا لبقاء!
لكنّ أرباب الصّفائح صمّموافقضوا بداهية له دهياء
هذا وقد طلعت بوشك حمامهشهب الأسنّة، جمّة الأضواء
يا نصبة حكمت على ليث الشّرىقسرا بقضّ المتن والأحشاء
لولا حظته عناية القمر الذيفي البرج أمّن طارق الأرزاء
لمّا قضى إسلامهللسّمر والخطّية السّمراء
والحارث الفتّاك بالأسد الذيلم يبق إشفاقا على الآباء
طلعت بمفرقه الأهلّة إنّهاأبدا لها منه محلّ ثواء
يا ليث [لا تأمنة] ختلا إنّهليكرّ بعد تحيّز وثناء
لا يطمعنّك إن أجدّ منكّبالمّا دلفت له حثيث عداء
ما ذاك إلا لو علمت تأثّمامن قطع أرحام وسفك دماء!
وسل الجواميس البهيم أديمهاتخبرك فهي له من الشّهداء!
فلقد شهدن أخاك لمّا أمّهكالسّهم قاسمه مدى المثناء
أنحى عليه بصدمة ثوريّةتركت أسامة واهي الأنحاء
وبطعنة نجلاء أنهر فتقهاتحت الأديم عريضة جوفاء
شكّت فريصته [فولّى] ناجيايبغي النّجاة ولا حين نجاء!
ثم استكان يردّد الزّفرات عنوهن وتلك شكاية الضّعفاء
حتى أتته العين عائدة وماإن كنّ قبل له من السّجراء
رحمته-وهي عداته-ولحادثمتفاقم ما رحمة الأعداء!
فاحذر لمصرع تربك الماضي ولنيثني الحذار مقدّرا بقضاء
يا ليث سامتك الهوان بنو الوغىفاصبر لما سامت بنو الهيجاء
تلك الأسنّة والقنا أتخالهاأزهار قضب السّرحة الغيناء
والبيض لامعة وما هي-فاتّئد-بجداول العرّيس ذي الأفياء
ومصارع الآساد ليست هذهبمصارع الإدلاج والإسراء!
دار الخلافة يمّمت ساحاتهاصيد الملوك لخيفة ورجاء
راقت مراقي برجها بخليفةلم يعد هدي أئمّة الخلفاء
متهلّل غمر النّوال مظاهرفي بردتين: جلالة وبهاء
ترتاده الدّنيا فيرجع أهلهامن غير سوء باليد البيضاء!
رحب المجال مناضلا ومناظراثبت اللّقاء مسدّد الإلقاء
حمل الورى رشدا وقد ضلّوا علىنهج الهدى ومحجّة السّمحاء
لا تنكر الإرشاد منه إنّهلأبو المعالي، جهيذ العلماء
يا فارس الهيجاء دمت لحكمةومكارم وبسالة وسخاء
دوّخت أرض الرّوم منتقيما علىشحط المزار ومنعة الأرجاء
وبعثتها غربان زجر لم تطرلهم بغير كريهة شنعاء!
لما بدت وبنو الوغى من فوقهاوالسّمر نازعة إلى الهيجاء
قالوا الرّبا والأسد في آجامهاتختاض عرض اللّجة الخضراء
جاسوا خلال ديارهم فكأنّهالم تغن بعد مزاهر وغناء
ونواقس تهدي الضّلال سميعةوكنائس وجآذر وظباء!
أمّا بلاد الشّرق نالت رشدهابوسيلتين: إنابة ووفاء
ألقت بمقلدها إليك ولم تزلمن قبل ذات تمنّع وإباء
والعرب تجهد في رضاك وإنّماأخذوا بحظّهم من العلياء
أنت الكرام، وعصر ملكك دهرهموالأرض-أجمع-حضرة البيضاء!
ولك الخطاب الفصل والفضل الذيلم يختلف فيه ذوو الآراء
ولك القضاء العدل سدّده الذيولاّك إذ أولاك كلّ علاء
لا زلت تكلأ أمّة جبّارهايكلؤك في السرّاء والضرّاء
وبقيت للإسلام ما جرّ الدّجالملاءة الإصباح فضل رداء
واهنأ بعيد النّحر حلّى جيدهسلكا فتوح واقتبال سناء
وإليكها عذراء تزهى نخوةبحلى محاسنها على العذراء
أسديّة لم تدر ما يمن ولمتنسب مجاورة إلى الأذواء!
أحكمتها صنعا فقال رواتها:عجبا أهذا الوشي من صنعاء؟!
طالت وأحشمها القصور فأقبلتمن خجلة تمشي على استحياء
إن لم أقلدها علاك فرائداكالشّهب بعد سنا وحسن رواء
وأجيل في ميدان شكرك عربهاغرّا فلست بشاكر النّعماء
فضحت يمينك كلّ جود وابلوثناي عرف الرّوضة الغنّاء
وعلى هذه القصيدة حكاية: وهي أن صاحبنا أبا العبّاس لما رفعها لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان، وافق المجلس أن الشريف أبا عبد الله محمد بن القاسم الحسيني العراقي رفع للمتوكل أبي عنان قصيدة مثلها في الوزن والقافية. فلما قرئت قال شيخ بني مرين وهو الحاج أبو مهدي عيسى بن الحسن بن علي بن يحيى بن منديل بن أبي الطّلاق العسكري لأبي عنان المتوكل: يا أمير المؤمنين! إن قصيدة الشريف أحسن من قصيدة ذلك الحضري! يعني صاحبنا أبا العباس بن عبد المنّان. فقال له أبو عنان المتوكل على الله: «ليس الأمر على ما ذكرت، اسكت، فإنك غير عارف بالشعر! إنّ قصيدة أحمد أبدع من قصيدة الشّريف!» وصاحبنا أبو العباس لهذا كلّه قائم بين يدي أبي عنان المتوكل يسمع ما قال السلطان، وما قال الشيخ أبو مهدي، فحقدها للشيخ أبي مهدي. فلمّا قام الشيخ أبو مهدي بجبل الفتح من الأندلس على أبي عنان، وقبض عليه، وسيق للمتوكل
أبي عنان سرّ صاحبنا أبو العباس بذلك، ونظم قصيدة ورفعها لأبي عنان يحرضه بها على قتله؛ فقتله بالرماح وأنا حاضر لقتله.
والقصيدة هي هذه:
محيّاك أبهى لا الهلال ولا البدروريقك أشهى لا الزّلال ولا الخمر
ولحظك أنكى لا البواتر تنتضىوعرفك أذكى لا الأزاهر تفترّ
أيا مالك القلب الّذي جار في الهوىعليه، ترفّق، ربّما وهن الصبر
ويا باخلا حتّى بطيف خيالهنشدتك: هل في الطّيف تبعثه وزر؟!
أعندك أنّي منذ أضمرت هجرةهجرت الكرى سهدا سوى سنة تعرو؟
ولم يبق منّي السّقم إلا صبابةتردّد في أثنائها أنه نزر
وهل لي إذا لم أفن فيك صبابةبحكم الهوى العذريّ عند الهوى عذر
ألفت الهوى حتّى استهنت صعابهوحتّى تساوى عندي الحلو والمرّ!
وقال وشاة الحبّ سحر أصابهفهل علموا من لحظ من ذلك السّحر؟
لك الخير هذا نعت حالي جملةوشرحا فهل للعطف من بعده ذكر؟
بنفسي نشوان المعاطف عاطفكغصن النّقا، كالظّبي خامره ذعر
تجول صدور السّمر دون لقائهويسحب من أذياله العسكر المجر
هو الظّبي إلا أنّ دوحته القناهو البدر إلا أنّ مطلعه الخدر
له الودّ منّي والخلوص وعندهتجنّ كما تهوى الملاحة، أو هجر
ألا إنّ إنعام الخليفة فارسلنا الصّفو من فيّاضه وله الشكر
مليك ملوك الأرض أوحدها الذّيبه علت العلياء وافتخر الفخر!
غمام النّدى الهطّال والجوّ أغبروليث العدا والبيض قانية حمر
إذا ما تراءى البدر يوما ووجههتحيّرت الأبصار أيّهما البدر!
تأخر عصرا في الملوك وإنّهإذا عدّ أملاك الزّمان هو الصدر
إمام الهدى شكرا على النّعم الّتييضيق إذا عدّدتها العدّ والحصر
لك الجود تردي المارقين جنودهبأقطارهم من قبل أن تمرح الشقر
وغاو رمى في هوّة الملك قاذفايد البغي، والرأي المضلّل، والغدر
أغار على الدّين الحنيف يهدّ منقواعده ما شاده القادة الغرّ
ملوك الهدى والقائمين بنصرهقديما وسل فالبرّ ينبىء والبحر
ورام مراما دونه النّجم سارياولم يدر جهلا أنّه المرتقى الوعر
وهيهات يأبى الله ذلك والعلاودين الهدى والملك والبيض والسّمر
جنى ثمر الإيمان بالبغي واعتدىيؤمّل جهلا أن يؤيّده الكفر!
فيا عجبا بعد السّعادة نالهشقاء وبعد الرّبح حمّ له خسر
سعى راشدا شطرا [من الدّهر] وافرافلما تناهى السعي واكتمل العمر
عصى الله في الشّطر الأقلّ، سفاهةألا إنه ذاك الذّراع أو الشبر!
ورام غنى بالصفر أو سدّ خلةوهيهات يغني فقر ذي الخلّة الصّفر!
وأمّل في أعدادهم كتم نفسهوإضمارها منعا فأخرجها الجبر!
لعلك-عيسى-رمت باسمك برّهموما كلّ عيسى حظّه منهم البرّ!
دعوتهم للغدر لمّا اتّخذتهسبيلا فقالوا: بدعة أمرها إمر
فكان النّصارى منك أوفى بذمّةوأكرم عهدا إنّ ذا لهو الوزر!
لئن رمت دنيا أنت قارونها الذيله الحرث والأنعام والخيل والتّبر
وإن كنت للأخرى جنحت ولم يكنأعد نظرا إن شئت، ما هكذا الأمر
أويت إلى تلك الرّبا غير صالحفأدركك الطّوفان وهو الظّبا البتر
وجرد كأمثال الروابي سوانحوغلب كأسد الغاب يقدمها النّصر
وسعد إمام يخدم الدّهر سعدهوتجري بما يومي به الأنجم الزّهر
ألا يا أمير المؤمنين الّذي اهتدىبنور هداه الباهر البدو والحضر
أطعت مليك الأرض ربّك فاغتدىيطيعك فيما رمت من أمرك الدّهر
وأنت الذّي جدّدت بعد دروسهامكارم قدما كان أخلقها العصر
مننت فأوسعت البلاد رغائباففي كلّ حيّ «حاتم» الجود أو «عمرو»
تداعت لك الآمال من كلّ وجهةلغنم وعلم، ذا جزيل وذا غمر
تصد عن الأملاك دونه رغبةولا نجم يستهدى وقد طلع الفجر
كأنّي بأقطار البلاد منيبهاومن لم ينب قد قاده الطّوع والقسر
وأنّس أرجا تونس أمرك الذيهو العدل يرضي من له الخلق والأمر
وجاشت ببطحاها الجيوش وأصبحت«تقول بنو العبّاس قد فتحث مصر!»
لعمري لقد زنت الخلافة فاغتدتيقصّر عن أوصافها النظّم والنّثر
وراقت بك الدّنيا جمالا وبهجةفإظلامها فرع وإصباحها بشر
وأنجمها حلي ونجوى نسيمهاثناء بما تولي وإيماضها ثغر
ودونكها عذراء أجلو عروسهاعليك ومرجوّ القبول له مهر
لها نسب في السّحر تعربه النّهىوإن قالت الأسماع: والدها الشّعر
وهنّئت عيد النّحر والفتح إنّهلك العيد منه، والعدا لهم النحر
بقيت لدين الله ردءا وعصمةفما غير علياك-الزمان-له ذخر!
وأنشدني أيضا لنفسه يمدحه ويصف قتل الأسد بين يديه (*) وكان السّلطان مولعا بقتل الأسود، فسيق إليه يوما أسد فقتل بين يديه بقصره من دار الإمارة المدينة البيضاء، والسّلطان المتوكل جالس بأعلى عليّة بالقصر ينظر للأسد. وأنا إذ ذاك جالس في ذلك الموضع أتنزه في قتل الأسد، في جملة من حضر ذلك الموطن مع السلطان. ووصف فيها أيضا أكرة الأسد وهي أكرة مستدارة من خشب معدّة، ويدخل فيها رجل يحرّكها ويمشي بها، فيرى الأسد الرّجل فيهمّ به ويدور بها ويضرب الأكرة بيده فلا يكسرها لشدّتها. ووصف فيها أيضا شبكة صيد الأسد في الفلاة، نصبت في ذلك اليوم بالقصر، واصطادوا بها الأسد بين يديه.
ووصف فيها أيضا الثّور الذي كان من عادته قتل الأسود في ذلك الموطن ووصف فيها أيضا بعد فراغه من قتل الأسد النّاعورة الكبيرة، والنهر والروض المسمى بالمصارة، وهو بإزاء القصر.
وهي:
ألف الجوى مذ بان سكّان اللّوىصبّ يهيج غرامه نفس الصّبا
وشجاه أن قيل الألى قد ودّعواشطّ المزار بهم وعزّ الملتقى
حفظ الإله عهودهم وسقاهمصوب العهاد ولا سقى يوم النوى
ماذا أفادوا مصحرين بسحرةتظما وتضحى عيسهم رأد الضّحى
ولقد كفتهم واكفات مدامعيلما ثووا من أضلعي بالمنحنى
قسما لما راعوا بوشك نواهمروعي وقد عبثوا بشكوى من شكا
إلاّ وقد نذروا دماء حرّمتظلما، أراق الظلم منها واللمى
وبمهجتي منهم محجبة حمتقلبي السّلوّ ومقلتي طيب الكرى
حسانة نجلاء باهرة السّناخمصانة جيداء عاطرة الشّذا
وقوامها كالغصن إلاّ أنّهيهتزّ بين البدر حسنا والنّقا
قالت وقد ودّعتها متجملاإيه بعيشك عن فؤادك هل سلا؟
فأجبتها وأبيك لا أسلو ولاحلّ الفؤاد هوى سوى هذا الهوى
حتّى يرى فقر بساحة بلدةوبها الخليفة فارس مغني الورى!
ملك نمته إلى المكارم عصبةكرمت أواصرهم وعزّوا منتمى
ورث المعالي عن عليّ المجد عنعثمان عن يعقوب، أعلام الهدى
متهّلل ضاهى الغمام مواهباورغائبا فونى الغمام وماونى
قطعا حبال رجاك ممّن دونهملكا «فكل الصّيد في جوف الفرا»
ألق العصا بحماه وامتط سابقاامدحه غرّا) فنعم الممتطى
وأت معارفه الجليلة إنّهابحر فرات لا تكّدره الدّلا
والشّمس من أنواره والفجر منبتّاره والطّود من ذاك الحجا
والنّجم في ظلم الوغى من رمحهما ضلّ من أثنى عليه وما غوى
غمر جواد يستضاء بهديهوافى كما تهوى المكارم والتّقى
متوكل، بحر، وليس بجعفرأفضاله، بل زاخر جمّ اللهى
تتضاءل الأملاك دون مقامهوالشّهب تخفى إن بدت شمس الضّحى!
يخشى ويرجى عابسا أو باسماوكذاك ذو البأس المصّمم والنّدى
يا غيث أنت كجوده متبجّسالكن خصصت وعمّ أقطار الدّنا!
يا بدر أنت كوجهه متهلّلالكن نقصت ودام مكتمل السّنا!
كم من جواد راجيا أولى الغنىعفوا ولا كأبي عنان مرتجى!
ولكم يرى يوم الوغى من فارسوك «فارس» يوم الوغى ما إن يرى!
ذلّت لبطشته الأسود وإنهالتذلّ لولا عزّ بطشته الطّلا
وضبارم رحب اللّبان تقلّهصهب متين خلقها، عبل الشّوا
يفترّ عن ناب كأطراف القنابيضا وينضو مخلبا حدّ الشبا
فتكت به بالقصر سمر رماحهبأكفّ أسد دوّخت أسد الشّرى
أمسى صريعا والدّماء سلافةأتراه سكرا مال من تلك الطّلا؟
وثنى على زأراته كشحا وقدكانت يردّدها فرادى أو ثنى
لكنّ ألسنة القواضب أظهرتما أضمرت جنباه من سرّ الحشا
ولقد رماه قبل مصرعه الرّدىمن معضلات (مكابديه) بما رمى
ومخاتل في جوف دائرة طوتأضلاعها منه على شهم فتى
يحكي بها رألا ببيضة سبسبلم تنفرج عنه فأنفذها كوى
يمشي الهوينا وسطها فتقلّهعدوا وما إن تشتكي ألم الوجى
حسب الغضنفر مرتقاها كعبةفدنا يطيل بها الطّواف وقد سعى
ولربّما ألقى عليها لامسابأكفّه وسما وقبّل إذ سما
لكنه خبثت سرائره فلميحمد على الإلمام منه بها الجزا
عجبا له ولجأش طفل لم يهبأسد الشّرى، وقد استشاط وقرددا
هذا ولم يبصر هناك بملجأواق وقد تركوه منفردا سدى
قد كان طلّ دم له لما رناأسد العرين له غضوبا وارتمى
لو لم تقم بالثّأر منه أساودكانت هنالك كامنات لا ترى!
منهنّ فاغرة له أفواههابأكفّ كركبة ومنها ما التوى
ومدّبر الروقين أصفر فاقعراق النّواظر نظرة لما بدا
ما زال يدعو للنّزال أسامةولقد أشار بظلفه لما دعا
ولقد أراه مكان مصرعه وقدأدمى بساح القصر ينكت في الثّرى
ولقد أطال وقوفه مستقبلاحذر الهزبر مبارزا حتى انبرى
وعدا له والظنّ يقضي أن يرىوقد اعتلاه فكان عكسا ما قضى!
جالت عليه صدمة من حارثتنسيك صدمة حارث يوم الوغى
أعجب بها من صدمة قد عفّرتلبد الهزبر وأوهنت منه القوى
لا تلح روق الثّور إن أبصرتهعن جانب اللّيث الطعين وقد نبا
ما كلّ دون كلاه لكن ساعةبقيت له ولكلّ عمر منتهى
فدعته في دعة إلى أمثالهاولتعذرنّ اللّيث يا ملك الهدى
أعدى فريسته عليه قولك «ابــق» لذا وقولك للغضنفر «لا لعا»
عاجلت ذا هلكا فلم يعجز وقدأبقيت ذا منّا فجانبه المنى
إنّ الإله قضى بأن يجري القضاطوعا كما شاء المطيع المرتضى
وعلاكم ما حارث بمقاوملأبيه لولا أن أردت به الرّدى
ولقد رأت منه العيون عجيبةراقت وقد أبلى النّواظر والنّهى
فأبحه جنّات المصارة خالدافيها فبالجنّات يجزى ذو البلا
أحسن بها من روضة غنّاء قدغنّى الحمام بها طروبا أو شدا
حاكت لها الأنواء مطرف سندسأرج وشاه يد الرّبيع بما وشى!
وبجانب «البيضاء» منها مرتقىجبّارة الأرجاء سامية الذّرا
كرحى الصّياقل ما سعت لتديرهارجل ولا نسبت لأمهاء المدى
أترى حسام النّهر جلّل متنهصدا فما تنفكّ تجلوه جلا؟
ناعورة لا بل أبثك إنّهوغدت تكّنفه البروج وقد رقا
فلك مضى في الرّوض ما حكمت بهأدواره والقطب منه وما اقتضى
فقضى برفع الماء إلا أنّهقد خفّض الأدواح عيشا والرّبا
حسن بديع في حمى ملك لهحسن الزّمان، وقام في أبهى حلا
يا أيّها الملك الذي أضحى بهدين الإله قرير عين والعلا
هيهات لا يجدي عدوّك جدّهيأبى وحقك ذاك جدّك والقضا
وعلاك لو ناواك أجدل كاسرلتخطّفت أشلاءه كدر القطا!
إنّ الذي لمّا تزل متوكلاقدما عليه لكافل لك بالمنى
الله أولاك السّعادة فليفضكمدا حسودكها ويأبى من أبى!
أغرق بطوفان الكتائب عصبةعاذت بمعتصم الجبال من العدا
اشف صدور السّمر واردة دماتلك الصّدور وسم هوانا من عتا
انهد لأرض الرّوم وارم غواتهمبالشّهب من أطراف ميّاد القنا
فكأنّني ببلادهم وأبحت مالم يلف للإسلام منها للبلا
وسبيت بيض ظباهم قسرا علىحكم الظّبا وتفرّقت أيدي سبا
واستشرفتك لمرتجى إنقاذهاأعلام ذات النّهر حمص والقرى
قسما لئن نسأ المهيمن لي مدىحتّى تحلّ بأفقها بدرا بدا
لتسوّغنّي من مريع جنابهاما بزّ آبائي بها فيما مضى
وإليكها دررا فإنّي منتقما راق منها للنّظام وما غلا
مقصورة بخيام فكري أعرضتعمّن سواك وأمّمتك على حيا
حسناء يهوى كل عضو لو غداأذنا وقد تليت تصيخ لمن تلا
تثني عليك علا بأطيب نكهةممّا به أثنى الرّياض على الحيا
لا زلت والأقدار جارية بماتهواه ما كرّ الصّباح على الدّجى
وبلغت ما ترجوه من أمل علىعجل ودام لك السّعادة والبقا
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع