تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله (٤)

هو ممن لا ينكر حقه في ارتياض العلوم الشريفة، واستئصال رتبها العالية المنيفة. لما احتوت عليه ترجمة ذكره، وخبيئة فكره، من أساليب النظام الرائقة الحلاء. ومجاري أقوال النثر البارعة في الإنشاء. ولا يسع المصنف في هذا الشأن أن يتركه، لظرفه الكامل؛ ولا يدعه لعلمه الشامل. له باع واسع في المنطق وعلم النجوم، وما يتعلق بالعلوم النظرية والفهوم؛ وطريقة رائقة الفروع والأصول، كاد أن يصل بها إلى درجة الاجتهاد غاية الوصول. ومعرفة بالتواريخ الحديثة والقديمة، وإرسال ديمة من سحائب علمه يتبعها ديمه!

وقصيدته المذكورة هي:

على أيّ حال للّيالي أعاتبوأيّ صروف للزّمان أغالب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «على أي حال لليالي أعاتب»
كفى حزنا أنّي على القرب نازحوأني على دعوى شهودي غائب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «على أي حال لليالي أعاتب»
وأني على حكم الحوادث نازلتسالمني طورا وطورا تحارب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «على أي حال لليالي أعاتب»
أحنّ إلى إلفي وقد حال دونهممهامه فيح دونهنّ سباسب
وبيداء قفر غيّرتها يد البلىوأزرت بمغناها الصّبا والجنائب
بها لعزيف الجنّ أيّ تراجعوبين الرّياح الهوج فيها تلاعب
يضلّ بها الخرّيت في كل موقففيصرفه بحر من الآل راسب
سلوتهم إلا ادّكار معاهدلها في اللّيالي الغابرات غرائب
وإنّ نسيم الريح منهم يشوقنيإليهم وتصبيني البروق اللّواعب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «على أي حال لليالي أعاتب»
ولم أنس، لا أنسى الوداع وقد جرتدموع وزمّت للوداع ركائب
عشيّة بانوا والقلوب جوامدوكان عقيق في النّواظر ذائب
وقفنا ولا نجوى سوى بين أعينوشت بالهوى منها دموع سواكب
تخاطب رسم الدّار شوقا وما لناعلى القرب إلا من صداها مجاوب
مضوا يزمعون السّير إلا تلفّتاكما التفتت بين الأراك الرّبارب
وأتبعتهم طرفي وقلبي وما دروابأني على آثار هذين ذاهب
وما راعني إلا المآقي تحدّرتبهنّ قلوب في الدّموع ذوائب
وقد طويت شمس الأصيل بأفقهاكما نشرت للّيل منها ذوائب
وسرنا وترجيع الحداة يحثّناكما رجّع الإنجيل في الصّبح راهب
نميل على الأكوار سهدا كأنّنانشاوى مدام أنحلتها الحقائب
أقول لصحبي-والظعائن ترتميوقد أخذت منّا السّرى والنّجائب
وقد ظمئت منّا المطيّ وأظلمتدجى خفيت فيها علينا المذاهب-
: ردوا ليس يروينا الغمام وهذهدموعي لا يظما بها بعد شارب!
وإن يك بالشّهب اهتداء فهذهبصدري شهب للغرام ثواقب
رعى الله عهدا ضمّه أفق تونسومعهد أنس لم ترعه النّوائب
وجادت عليه الغانيات بما حوتمن الظّلم لا ما تحتويه السّحائب
وروّض منها كل قطر بأغصن الـقدود اللّواتي لم تثرها الأهاضب
بلاد بها عقّ الشباب تمائميولا مس فيها التّرب منّي التّرائب
يذكّرني عهد الرضّا في جنابهاأمان تقضّت لي بها ومآرب
فأصبو ولكن أين مني مزارها؟وأبكي وإن لم تغن عنّي السحائب!
ويقلقني شوق تضرّم بالحشافتحرقني لولا الدّموع لواهب
أبيت تناجيني الهموم كأننّيصديق عفا في الحبّ وهي تعاتب
وإن قمت غنّتني قيان أداهملها بين أقدام الكماة ملاعب
وقد أمتطي فكري لدى اللّيل مركبابذكر الّذي تحدى إليه الرّكائب
وأعشو إلى مدح الخليفة فارسفتنجاب عنّي للخطوب غياهب
إمام هدى ضاءت شموس اهتدائهفبانت لنا من بينهنّ المذاهب
ترقرق ماء البشر في صفحاتهوأينع منه المجد فالمحل عاشب
وأوسع أبناء الزّمان نوالهفليس سوى ممّن ينوّل كاسب
خلائق يحكيها الرّياض بدائعافتعزى له إن حقّق القول ناسب
جرى الجود أنهارا-بكفّيه-عذبةما تلك) في الرّاحات منها مشارب
وسار على الآفاق طيب ثنائهفما المسك لولا عرفه المتطايب
وأشرقت الدّنيا بنور جبينهفما المسك لولا عرفه المتطايب
وأشرقت الدّنيا بنور جبينهفما الشمس إلا إن بدا منه حاجب!
مناقب تحكي الشّهب ضوءا ورفعةفيسري بها في مهمه الخطب راكب
ففكر إذا ما أظلم الخطب نيّروفهم إذا ما أشكل العلم ثاقب
وهمّة من لم يجعل الإرث وحدهطريق العلى حتّى استتمّت مناصب
تزاحم تيجان الملوك ببابهكما ازدحمت بالّدارعين المواكب
وتفخر من ملك أغرّ مهذّبثقيل المراقي عنده والمناصب
جبرت عماد الدّين بعد انصداعهعلى حين لم يجبر له الصّدع شاعب
وملئت عن الدّنيا إلى الدّين راغباعلى رغبة منها فنعم المراغب
وشيّدت فخرا في ذؤابة معشرنمتك إلى العلياء منهم عصائب
ومهّدت ركن الملك منك بعزمةتذب بها عنه الحماة الضوارب
ودوّخت أرض الغرب حتى تسابقتلأمرك طوعا عجمه والأعارب
فأوطأتهم فوق السّماكين منزلافليس لهم إلا هناك مراتب
ولمّا طغى بالشرق كلّ مكذّبعصيّ تناجيه الأماني الكواذب
ويخلو على بعد الدّيار بنفسهفتعصيه من طعن العدا ما يطالب
بدأتهم بالقول لو أنّ سعيهمحميد لما ساءت لديهم عواقب
ولكن أبوا إلاّ جماحا وما دروابأنّك حزب الله-والله غالب! -
ولجّوا على ظنّ بأنّ حصونهمممنّعة لو أنّ غيرك طالب
فسمتهم بالرّعب قبل نزالهمففلّت جموع منهم ومضارب
وأرسلتهم من آل أعوج غلّبعليها من الأبطال شوس أغالب
من القوم ما غير القنا في طريقهمأنيس ولا غير المهنّد صاحب
إذا أظلمت جنج النّهار دروعهمأضاءت وجوه منهم ومناقب
وإن ضلّ في ليل الكفاح دليلهمهدتهم من العزم الصّميم كواكب
بأيديهم سمر الرّماح كما علىعواتقهم بيض السّيوف القواضب
فذاك أصمّ يبلغ الطّعن للعداوهذا سميع إن تناجي الكتائب!
غمائم للعافين، تهتن، صيّبوفي عرصات المارقين مصائب
ففي الحرب آساد وفي السلم سادةويوم النّدا والمكرمات سحائب
ندبتهم لله ثمّ بعثتهمتقام على الأعداء منهم نوادب
وسرت فلولا أنّ أمرك وازعلسارت جبال عندها وأهاضب
وريعوا فلولا طود حلمك قد رسالزعزع من ذاك الأشمّ جوانب
بجيش يغصّ الأفق منه بمركبويعجز عن حصر الكتيبة حاسب
يباح حمى الأفلاك عند فريقهموتنهب إن أومى إلى الشّهب ناهب
أثرت بهم فوق الأعادي مصائبامن النقع جدواها السهام الصوائب
وجست على رغم خلال ديارهمتعطّر بالأردان منك مساحب
فلولا اعتصام كان منهم بطاعةلأغرقهم طوفانك المتراكب
ولمّا انتضى جبّار تونس عزمةورام فرارا لو نجا منك هارب
بعثت بها غربان زجر يحشّهالتفريق شمل من أعاديك ناعب
وملّكتها شرقا وغربا كأنّمالأمرك من جاري المقادير صاحب
ولولا خطوب كنت حاسم دائهالقد علموا كيف الغريم المطالب
أمولاي طاب القول لي فأطلتهوما طيّب الأقوال إلا الأطايب!
وما كان لي نظم القريض بضاعةولكن دعاني نحو مدحك جاذب
فجئت بها حسناء تلتمس الرّضاوإن رغم الواشون منها وشاغبوا
فعفوا أمير المؤمنين فليس لييدان بسخط منك والصّبر عازب
أساق مدى الأيام في القيد مفعموجسم عليل بعد ذلك شاحب
وقد وضحت للحلم في كلّ طيّعوعاص شرود عنك طرق لواحب
وأرضعتهم ثدي الأماني وكم بغواوأوردتهم صفو الأماني وحاربوا
أبى الله إلا أن يكون لك العلاتنيل الورى عفوا فتعفى المعايب
وإن أثبت الأعداء أني مذنبفصفحك يا مولاي للذّنب سالب
وهبهم رموني بالتّي لست أهلهاأليس انتسابي واضح متناسب؟
أبعد انتزاحي عن بلادي تحثّنيإلى بابك الأعلى مطيّ شوازب
وغرّاء من نسل الجديل وشدقملها في الرّياح العاصفات مناسب
يجاذب عطفيها المراح فتنثنيكما التفتت في الرّوض حسناء كاعب
وتكبر قدرا أن يميل بمثلهالغيرك قصدا أو تحنّ مطالب
رقمت بها في صفحة البيد أسطراكما زان رقما في الصحيفة كاتب
وجبت بها غور الفلاة ونجدهاوليس سوى من ذنبها ما أصاحب!
كأني لفظ والبلاد تجيبنيخواطر منها للمعاني صوائب
نظنّ بأنّ الشّرق عن حمل كتمهنضيق فتطوي سرّهنّ المغارب
إلى أن حططت الرّحل في سرحة العلالدى بابك الأعلى كما حطّ آيب
وأصدرتني عن ورد نعماك ناهلاوقد أثقلت ظهري لديك المواهب
فكيف أولّي شطر غيرك وجهةأؤمّل منها نجعة أو أراقب
وما خلصت إلا لبابك هجرتيولم تصف لي ممّن سواك المشارب
وإني على علم بأن لا مملّكسواك على الدّنيا ولا عنك ذاهب
ولكن عواد إن عدتني عن الرّضازمانا فإني اليوم منهنّ تائب
سأنزع عما أنت-والله-ساخطفأمرك محتوم على الخلق واجب
وأسطو على الأيام منك بنوبةكما افترستني بينهنّ النّوائب!
وتوسعني رحماك أفضل نعمةتريش بها عظمي وتترى المكاسب
فما في اللّيالي من ذميم-ولو أتى-إذا حميدت بعد المبادي العواقب

صاحبنا الفقيه القاضي الكاتب يحيى بن أحمد بن محمد ابن

البغلة الأموي.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.