تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله-سلمه الله (٣)

-:

له علم بالتوثيق وصناعته، وطريق إلى صياغته في حلل براعته.

وهو مفت في المسائل الفقهية، ومتفنن في العلوم الأدبية، وله مشاركة في جميع العلوم النظرية والتعالمية. وله ذهن ثاقب، ونظر في ميدان البحث لا يجاريه فيه فقيه ولا طالب. واعتناء بالعلوم الشرعية، واقتناء بالمعالي البيانية. إلى وقار وبها، وثقوب فطنة ونهى، وهمّة سمت فوق السّها.

فمن قوله يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان

أيا إماما ندى كفّيه قد وكفاحسبي اعتصامي بحبل منكم وكفى!
وكيف أصرف وجه القصد عن ملكما صدّ عني سنا بشر ولا صرفا
ما إن شكوت بما أضنى تطلّبهإلا وجدت لديه من ضناي شفا
ولا وقفت عليه منتهى أمليإلا قضى وطرا منه وما وقفا
في كلّ يوم له تجديد عارفةمهما انقضت هذه لهذه ائتنفا
وليس ممّن يرى أن لا يتيح يداحتّى يقام له بالشّكر ما سلفا

وكان قد بعث إليه ذو الوزارتين الحاجب القائد الرئيس الفقيه الخطيب الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السّلماني، وزير أمير المسلمين أبي الحجّاج يوسف بن عم أبينا ووزير ابنه أمير المسلمين الغني بالله محمد المخلوع رسالة، وصدّرها بأبيات، كلّ ذلك من قوله، وهما:

من ذا يعدّ فضائل الفشتالي؟والدّهر كاتب آيها والتّالي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من ذا يعد فضائل الفشتالي»
علم إذا التمسوا الفنون فعلمهمرعى المسيم ونجعة المكتال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من ذا يعد فضائل الفشتالي»
نال الّتي لا فوقها من رفعةما أمّلتها حيلة المحتال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من ذا يعد فضائل الفشتالي»
وقضى قياس تراثه عن جدّهأنّ المقدّم فيه غير التّالي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «من ذا يعد فضائل الفشتالي»

قاضي القضاة! بماذا أثني على خلالك المرتضاة؟ أبقديمك الموجب لتقديمك، أم بحديثك الداعي لتحمّل حديثك؟ وكلاهما غاية بعد مرماها، وحام التصور حماها، والضالع لا يسام سبقا، والمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى؟ وما الظنّ بأصالة تعترف بها الآثار وتشهد، وأبوة صالحة كانت في غير ذات الله تزهد.

وفي نيل الاتصال به تجهد، ومعارف تقرر قواعد الحقائق وتمهد، وتهزم الشبه إذا تنهد. وقد علم الله أنّ جوارك لم يبق للدّهر جورا، ولاحت من غصني ورقا ولا نورا. هذا وقد زأر عليّ أسدا وحمل ثورا، فقد أصبحت في ظل الدولة التي وقف على سيدي اختيارها، وأظهر خلوص إبريزه معيارها. تحت كنف، وعزّ مؤتنف، وجوار أبي دلف، وعلى ثقة من الله بخير خلف. وما منع [من انتسابي لما لديه] من الفضائل رحلة لم يبرك بعد جملها،

ولا فرغ عملها، وأوحال حال بيني وبين مسوّر البلد القديم مهملها ولولا ذلك لاغتبط الرّائد، واقتنيت الفوائد.

والله يطيل بقاءه حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة.

وتعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة. وأمّا ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفّق سوقها استحسانه، وأنس باستطرافها إحسانه؛ فقد أعمل وما أهمل، والقصور باد إذا تؤمّل، والإغضاء أولى ما أمل.

فإنما هي فكرة أخمدت نارها الأيام، وغيرت آثارها اللئام. وكان الحق إجلال مطالعة سيدي عن خللها، وتنزيه رجله (*) عن تقييد مرتجلها. لكن أمره ممتثل، و «أتى من المجد أمر لا مردّ له» مثل!

فجاوبه بقوله:

وافت يجرّ الزهو فضلة بردهاحسناء قد أضحت نسيجة وحدها
لله أيّ قصيدة أهديت لويهدى المعارض نحو غاية قصدها
لابن الخطيب بها محاسن قارعتعنه الخطوب ففللّت من حدّها
سرّ البلاغة منه أودع حافلاقد صانه حتّى فشا من عندها
في غير ما عقد نفثت بسحرهافلذا أتى سلسا منظّم عقدها
لم أدر ما فيها رقمت معنونامن طرسها أو معلما من بردها
حتّى دفعت بها لأبعد غايةباعي تقاصر في البلوغ لحدّها
حرّان من نظم ونثر آب منيلقاهما منها بذلّة عبدها
أولى يدا بيضاء موليها فمالي من يد في أن أقوم بحمدها
فبذلت شعري رافعا من برّهاوهززت عطفي رافلا في بردها
ورفضت تكذيب المنى متشيّعالعليّ مرآها بصادق وعدها!

خذها أعز الله جنابك، وأذلّ للأنس على الوحشة اغترابك.

كنغبة الطائر المتحفز، ونهبة السائر المستوفز ومقة اللحظ، قلقة

اللفظ قد جمعت من ترامها وانقحامها (*) بين بطمة فند، وصلود زند، ونوّعت فعلي إقدامها وإحجامها إلى قاصر ومتعد، وليتني إذ جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، وانجابت المعاني عن مزنة فكرتي بتقاضي الجواب انجياب الطرق، أيقنت أني قد سدّ علي باب القول وأرتج، وقلت هذه السالبة الكلية لا تنتج! فنبذت طاعة الداعية من تلكم الإمرة، ولم أفه إذ أعوزت الخلوة بالمرّة، لكني قلت وجد المكثر كجهد المقل، والواجب قد يقع الامتثال فيه بالأقل. فبعثت بها على علاتها، وأبلغتها عذرها في أن كنيت عن شوقها بلغاتها. وهي لم تعدم من سيدي إغضاء كريم، وإرضاء مليم.

والله سبحانه يصل بالتأنيس الحبل، ويرد الألفة ويجمع الشمل.

والسّلام.

وكتب إليه أيضا ذو الوزارتين محمد بن الخطيب المذكور إثر نكبة أنكبه أمير المسلمين المستعين بالله أبو سالم إبراهيم المريني، من غير ذنب فعله، أغرى به السلطان حسدا له:

تعّرفت أمرا ساءني ثم سرّنيوفي صحّة الأيّام لا بدّ من مرض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تعرفت أمرا ساءني ثم سرني»
تغمّدك المحبوب بالذات بعد ماجرى ضدّه والله يكفيه بالعرض

في مثلها-أبقى الله سيدي-يجمل الاختصار، وتقرر الأنصار وتطرق الأبصار. إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يقظ ولا حالم. وإنما هي هدية أجر، وحقيقة وصل عقّبت مجاز هجر. وجرح جبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار! وعثرة القدم لا تنكر، والله يحمد في كلّ ويشكر. وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والرعي دائب، والجاني تائب، فما هو إلا الدهر الحسود لمن يسود، خمش بيد ثم سترها (؟)، ورمى عن قوس ما أصلحها-والحمد لله-ولا أوترها.

إنما باء بشينه، وجنى من مزيد النعمة سخنة عينه. ولا اعتراض على قدر أعقب بحظ مبتدر، وورد نغّص بكدر، ثم أنّس بأكرم صدر. وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذّب، ولا نقول-مع الكظم- إلا ما يرضي الرب. وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذمار، واستباق إلى برّ وابتدار، بجهد اقتدار، فأنا-ولا فخر-متناول القصبة، وصاحب الدّين من بين العصبة، لما بلوت من برّ أوجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وضح منه المذهب، وتنفيق راق منه الرّداء المذهب. هذا مجمل وبيانه عن وقت الحاجة مؤخر، ونبذة سرّه (؟) لتحقيقها يراع مسخر. والله أعلم بما انطوى عليه لسيّدي من إيجاب الحق، والسّير من إجلاله على أوضح الطّرق، والسلام.

فجاوبه بقوله:

وأيم الله إبرارا لأيملقد جلّى كتابك كلّ غمّ
وساهم في الحوادث من رمتهففاز من الوفاء بخير سهم

يا سيّدي. أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المثلى، وبارك.

وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجلّى، وشارك. وصل كتابكم الصّادق الصفاء؛ الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللّقاء.

فثأى من صدع الأيام ورأب. ونأى في دفع الأوهام وقرب.

وهو الدّهر-أبقاكم الله-لا تثنى فلتاته. ولا يبني على عقد صفائه يوم لوى ولائه إلاّ كدره بالنّقض مفتاته. هذا ولو حاسب الإنسان نفسه لاستحقر ما استعظم. وعلم أنّ «ما لا يرى مما وقى الله أعظم». فآه آه! ومن جني عليه فليستغفر الله. فغفرا اللهمّ غفرا. وحمدا على السراء والضرّاء، وشكرا.

وسيدي-أعزّه الله-المشكورة أياديه، المبرورة غاياته الجميلة ومباديه. والله-سبحانه-يعين على واجبكم، ويشكر في حسن الإخاء جميل مواهبكم. والسّلام.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.