من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الببغاء
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن الببغاء؟
أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء؛ ذكّره الثعالبي في " يتيمة الدهر " وقال: هو من أهل نصيبين، وبالغ في
الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه وما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابي، وأشياء يطول شرحها.
[واتفق أن أبا الفرج قدم مرة بغداد وأبو إسحاق معتقل مدة طويلة ولم يصبر عنه وزاره في مجلسه ثم انصرف ولم يعاوده فكتب إليه أبو إسحاق:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزليزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضى زمن تستام وصلي غالياًفأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص
وأنستني في مجلسي بزيارةشفت كبداً من صاحبٍ لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرٍفواقاً كما يستفرص السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسيوأوجست خوفاً من تذكرك القفص
كذا الكرز اللماح ينجو بنفسهإذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قسَّ الطيور بلاغةًإذا أنشد المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حدة المدىومن بندق الرامي ومن قصة المقص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص فأجابه أبو الفرج في الحال مع رسوله:
أيا ماجداً [مذ يمم] المجد مانكصوبدر تمامٍ مذ تكامل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وأيماهلالٍ توارى بالسرار فما خلص
برأفة تاج الملة الملك الذي[لسؤدده] في خطة المشتري حصص
تقنصت بالألطاف شكري ولم أكنعلمت بأن الحر بالبر يقتنص
وصادفت أدنى فرصة فانتهزتهابلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
أتتني القوافي الزاهرات تجمل البدائع من مستحسن الجد والرخص
فقابلت زهر الروض منها ولم أردوأحرزت [در] البحر منها ولم أغص
فإن كنت بالببغاء قدماً ملقباًفكم لقبٍ بالجور لا العدل مخترص
وبعد فما أخشى تقنص جارحٍ ... وقلبك لي وكرٌ ورأيك لي قفص فانتهى الابتداء والجواب إلى عضد الدولة فأعجب بهما واستظرفهما، وكان ذلك أحد أسباب إطلاق أبي إسحاق من اعتقاله. ثم اتصلت بينهما المودة والكتابة.
وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: دخل أبو الفرج عبد الواحد الببغاء على الوزير أبي نصر سأبور بن أردشير وقد نثرت عليه دنانير وجواهر، فأنشد بديهاً:
نثروا الجواهر واللجين وليس ليشيءٌ عليه سوى المدائح أنثر
بقصائدٍ كالدر إن هي أنشدتوثنا إذا ما فاح فهو العنبر] ومن شعره:
يا سادتي هذه روحي تودعكمإذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لهافالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله روحي بالبقاء فماأظنها بعدكم بالعيش تنتفع وله:
خيالك منك أعرف بالغراموأرأف بالمحب المستهام
ولو يسطيع حين حظرت نوميعلي لزار في غير المنام وله أيضاً:
ومهفهفٍ لما اكتست وجناتهخلع الملاحة طرزت بعذاره
لما انتصرت على أليم جفائهبالقلب كان القلب من أنصاره
كملت محاسن وجهه فكأنما اقتبس الهلال النور من أنواره
وإذا ألح القلب في هجرانهقال الهوى لا بد منه فداره وله في التشبيه وقد أبدع فيه:
وكأنما نقشت حوافر خيلهللناظرين أهلةً في الجلمد
وكأن طرف الشمس مطروفٌ وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد وله في سعيد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان:
لا غيث نعماه في الورى خلب البرق ولا ورد جوده وشل
جاد إلى أن لم يبق نائله ... مالاً ولم يبق للورى أمل وقد سبق نظير هذا المعنى في شعر أبي نصر ابن نباتة السعدي. وأكثر شعر أبي الفرج المذكور جيد ومقاصده فيه جميلة. وكان قد خدم سيف الدولة بن حمدان مدة، وبعد وفاته تنقل في البلاد.
وتوفي يوم السبت سلخ شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وقال الخطيب في تاريخه: توفي في ليلة السبت لثلاث بقين من شعبان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وقال الثعالبي: وسمعت الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج ودخوله بغداد في سنة تسعين وثلثمائة: ورأيت بها أبا الفرج الببغاء شيخاً عالي السن متطاول الأمد، قد أخذت الأيام من جسمه وقوته ولم تأخذ من ظرفه وأدبه.
والببغاء: بفتح الباء الأولى وتشديد الباء الثانية وفتح الغين المعجمة وبعدها ألف، وهو لقب وإنما لقب به لحسن فصاحته، وقيل: للثغة كانت في لسانه. ووجد بخط أبي الفتح ابن جني النحوي الففغاء، بفاءين، والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع