من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن أبي الصقر الواسطي
أبو الحسن محمد بن علي بن عمر، المعروف بابن أبي الصقرالواسطي؛ كان فقيها شافعي المذهب، تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، لكنه غلب عليه الأدب والشعر واشتهر به، ورأيت له بدمشق ديوان شعر في الخزانة الأشرفية التي في الجامع المشهور في تربته شمال الكلاسة التي هي زيادة في الجامع الكبير، والديوان مجلد واحد، وكان شديد التعصب للطائفة الشافعية، وظهر ذلك في قصائده المعروفة بالشافعية، وله في الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مرات، وكان كاملا في البلاغة والفضل وحسن الخط وجودة الشعر.
وذكره أبو المعالي الحظيري - المقدم ذكره - في كتابزينة الدهر وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
كل رزق ترجوه من مخلوقيعتريه ضرب من التعويق
شطر أولوأنا قائل واستغفر اللهـ مقال المجاز لا التحقيق
لست أرضى من فعل إبليس شيئاغير ترك السجود للمخلوق وذكر له أيضا:
وحرمة الود مالي عنكم عوضلأنني ليس لي في غيركم غرض
أشتاقكم وبودي لو يواصلنيلكم خيال ولكن لست أغتمض
وقد شرطت على قوم صحبتهمبأن قلبي لكم من دونهم، ورضوا
ومن حديثي بكم قالوا به مرض ... فقلت لا زال عني ذلك المرض وكان قد طعن في السن وضعف عن المشي فصار يتوكأ على عصا، فقال في ذلك:
كل أمري إذا تفكرت فيهوتأملته رأيت ظريفا
كنت أمشي على اثنتين قويا ... صرت أمشي على ثلاث ضعيفا قلت: ولي أبيات أشير فيها إلى مثل هذا المعنى وهي:
يا سائلي عن حالتيخذ شرحها ملخصا
قد صرت بعد قوةتفض أفلاذ الحصى
أمشي على ثلاثة ... أجود ما فيها العصا ولابن أبي الصقر أيضا في اعتذاره عن ترك القيام لأصدقائه:
علة سميت ثمانين عامامنعتني للأصدقاء القياما
فإذا عمروا تمهد عذريعندهم بالذي ذكرت وقاما وله في كبره أيضا:
ولما إلى عشر تسعين صرتومالي إليها أب قبل صارا
تيقنت أني مستبدلبداري دارا وبالجار جارا
فتبت إلى الله مما مضى ... ولن يدخل الله من تاب نارا وله أيضا وقد حضر عزاء صغير وهو يرتعش من الكبر، فتغامز عليه الحاضرون كيف مات الصغير وبقي هذا الشيخ في هذا السن، فقال:
إذا دخل الشيخ بين الشبابعزاء وقد مات طفل صغير
رأيت اعتراضا على الله إذتوفى الصغير وعاش الكبير
فقل لابن شهر وقل لابن ألفوما بين ذلك: هذا المصير وله أيضا في ذلك:
ابن أبي الصقر افتكرواوقال في حال الكبر
والله لولا بولةتحرقني وقت السحر
لما ذكرت أن ليما بين فخذي ذكر وله كل مقطوع مليح
وكانت ولادته ليلة الاثنين ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بواسط، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع