تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن الهبارية

ديوان ابن الهبارية

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن الهبارية؟

الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح بن حمزة بن عيسى بن محمد بن عبد الله ابن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي المعروف بابن الهبارية الملقب نظام الدين البغدادي الشاعر المشهور؛ كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد، لكنه كان خبيث اللسان كثير الهجاء والوقوع في الناس لايكاد يسلم من لسانه أحد.

وذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال: من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف، وسبك في قالب ابن حجاج وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة، والنظيف من شعره في غاية الحسن؛ انتهى كلام العماد.

وكان ملازما لخدمة نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان ألب أرسلان وولده ملك شاه - وقد تقدم ذكره في حرف الحاء - وله عليه الإنعام التام والإدرار المستمر، وكان بين نظام الملك وتاج الملك أبي الغنائم بن دارست شحناء ومنافسة، كما جرت العادة بمثله بين الرؤساء، فقال أبو الغنائم لابن الهبارية: إن هجوت نظام الملك فلك عندي كذا، وأجزل له الوعد فقال: كيف أهجو شخصا لا أرى في بيتي شيئا إلا من نعمته فقال لا بد من هذا، فعمل:

لا غرو إن ملك ابن إسحاق وساعده القدر
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
وصفت له الدنيا وخص أبو الغنائم بالكدر
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

فالدهر كالدولاب لي ... س يدور إلا بالبقر فبلغت الأبيات نظام الملك، فقال: هو يشير إلى المثل الساءر على ألسن الناس، وهو قولهمأهل طوس بقروكان نظام الملك من طوس، وأغضى عنه ولم يقابله على ذلك بل زاد في إفضاله عليه، فكانت هذه معدودة من مكارم أخلاق نظام الملك وسعة حلمه. وكان مع فرط إحسان كظام الملك إليه يقاسي من غلمانه وأتباعه شر مقاساة لما يعلمونه من بذاءة لسانه، فلما اشتد عليه الحال منهم كتب إلى نظام الملك:

لذ بنظام الحضرتين الرضىإذا بنو الدهر تحاشوك
واجل به عن ناظريك القذىإذا لئام القوم أعشوك
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

واصبر على وحشة غلمانه ... لا بد للورد من الشوك وذكر العماد الأصبهاني فيالخريدة أنه أنفذ هذه الأبيات مع ولده إلى نقيب النقباء علي بن طراد الزبيبي، ولقبه نظام الحضرتين أبو الحسن.

ومن شعره أيضا:

وجهي يرق عن السؤال وحالتي منه أرق
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

دقت معاني الفضل في ... وحرفتي منها أدق ومن معانيه الغريبة قوله في الرد على من يقول إن السفر به يبلغ الوطر:

قالوا أقمت وما رزقت وإنمابالسير يكتسب اللبيب ويرزق
للشاعر عبد القادر القصاب، اقرأ القصيدة
فأجبتهم ما كل سير نافعاالحظ ينفع لا الرحيل المقلق
للشاعر عبد القادر القصاب، اقرأ القصيدة
كم سفرة نفعت، وأخرى مثلهاضرت، ويكتسب الحريص ويخفق
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
كالبدر يكتسب الكمال بسيرهوبه إذا حرم السعادة يمحق وله أيضا:
خذ جملة البلوى ودع تفصيلهاما في البرية كلها إنسان
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
وإذا البياذق في الدسوت تفرزنتفالرأي أن يتبيذق الفرزان وله على سبيل الخلاعة والمجون:
يقول أبو سعيد إذ رآنيعفيفا منذ عام ما شربت
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
على يد أي شيخ قل ليفقلت على يد الإفلاس تبت وله في المعنى أيضا:
رأيت في النوم عرسي وهي ممسكةأذني، وفي كفلها شيء من الأدم
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
معوج الشكل مسود به نقطلكن أسفله في هيئة القدم
[تظل ترقعني كيما ترنخنيفصرت ألتئذ بالإيقاع والنغم]
حتى تنبهت محمر القذال، ولوطال المنام على الشيخ الأديب عمي وله أيضا:
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
المجلس التاجي، دام جمالهوجلاله وكماله، بستان
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
والعبد فيه حمامة، تغريدهافيه المديح وطوقه الإحسان [وله:
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
وعندي شوق دائم وصبابةومن أنا ذا حتى أقول له عندي
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
إلى رجل لو أن بعض ذكائهعلى كل مولود تكلم في المهد
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
فلولا نداه خفت نار ذكائهعليه ولكن الندى مانع الوقد] وله أيضا:
دعوه ما شاء فعلسيان صد أو وصل
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
فكم رأينا قبلهاأسود من ذا ونصل ومحاسنه كثيرة

وله كتابنتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنةوقد سبق في ترجمة البارع الدباس في حرف الحاء ذكر الأبيات الدالية وجوابها وما دار بينهما، وسيأتي في ترجمة الوزير فخر الدولة محمد بن جهير واقعة لطيفة جرت له مع السابق الشاعر المعري، إن شاء الله تعالى.

وديوان شعره كبير يدخل في أربع مجلدات، ومن غرائب نظمه كتاب الصادح والباغم نظمه على أسلوب دليلة ودمنة وهو أراجيز، وعدد بيوته ألفا بيت، نظمها في عش سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة، وسير الكتاب على يد ولده الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي صاحب الحلة - المقدم ذكره في حرف الصاد - وختمه بهذه الأبيات، وهي:

هذا كتاب حسنتحار فيه الفطن
أنفقت فيه مدةعشر سنين عدة
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
منذ سمعت باسمكاوضعته برسمكا
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
بيوته ألفانجميعها معاني
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
لو ظل كل شاعروناظم وناثر
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
كعمر نوح التالدفي نظم بيت واحد
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
من مثله لما قدرما كل من قال شعر
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
أنفذته مع ولديبل مهجتي وكبدي
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
وأنت عند ظنيأهل لكل من
وقد طوى إليكاتوكلا عليكما
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة
مشقة شديدةسعيا وما ونيت
إن الفخار والعلاإرثك من دون الورى فأجزل صلته وأسنى جائزته

وتوفي ابن الهبارية المذكور بكرمان سنة أربع وخمسمائة، هكذا قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة بعد أن أقام مدة بأصبهان وخرج إلى كرمان وأقام بها إلى آخر عمره، وقال ابن السمعاني: توفي بعد سنة تسعين وأربعمائة.

والهبارية: بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى هبار، وهو جد أبي يعلى المذكور لأمه.

وكرمان: بكسر الكاف وقيل بقتحها وسكون الراء وفتح الميم وبعد الألف نون، وهي ولاية كبيرة تشتمل على مدن كبار وصغار، وخرج منها خلق من الأعيان، وهي متصلة بأطراف أعمال خراسان، ومن جانبها الآخر البحر، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.