تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

يزيد بن حاتم المهلبي

أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الآزدي. قد سبق ذكر بقية نسبه في ترجمة جده المهلب بن أب صفرة، قد ذكرت أخاه روح بن حاتم في حرف الراء، وعم أبيه يزيد بن المهلب، ومن ولده الوزير أبو

محمد الحسن بن محمد المهلبي - المقدم ذكره - وهم أهل بيت كبير، اجتمع فيه خلق كثير من الأعيان الأمجاد النجباء.

ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن الخليفة أبا جعفر المنصور عزل حميد بن قحطبة عن ولاية مصر، فولاها نوفل بن الفرات، ثم عزله وولى يزيد بن حاتم، وذلك في سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم إن المنصور عزله عن مصر في سنة اثنتين وخمسين ومائة، وجعل مكانه محمد بن سعيد؛ وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: ولي يزيد بن حاتم مصر في سنة أربع وأربعين ومائة، وزاد غيره: في منتصف ذي القعدة.

ثم إن المنصور خرج إلى الشام وزيارة بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومن هناك سير يزيد بن حاتم إلى إفريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر بن حفص، وجهز معه خمسين ألف مقاتل، واستقر يزيد المذكور والياً بإفريقية من يومئذ، وكان وصوله إليها واستظهاره على الخوارج في سنة خمس وخمسين، ودخل مدينة القيروان في هذا التاريخ.

وكان جوادا سرياً مقصوداً ممدحاً، قصده جماعة من الشعراء فأحسن جوائزهم، وكان أبو أسامة ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي، وقيل أنه إنه من موالي سليم، قد قصد يزيد بن أسيد، بضم الهمزة وفتح السين المهملة، ابن زافر ابن أسماء بن أسيد بن قنفذ بن جابر بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو يومئذ والٍ على أرمينية، وكان قد وليها زماناً طويلاً لأبي جعفر المنصور، ثم من بعده لولده المهدي، وكان يزيد المذكور من أشراف قيس وشجعانهم، ومن ذوي الآراء الصائبة، ومدحه ربيعة المذكور بشعر أجاد فيه، فقصر في حقه، ومدح يزيد بن حاتم المذكور، فبالغ في الإحسان إليه، فقال ربيعة قصيدة يفضل فيها يزيد بن حاتم على يزيد بن أسيد، وكان

في لسان يزيد بن أسيد تمتعة، فعوض بذكرها في هذه الأبيات، فقال:

حلفت يميناً غير ذي مثنويةيمين امرئ آل بها غير آثم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد بن سليم والأغر ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
يزيد سليم سالم المال، والفتىأخو الأزد للأموال غير مسالم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فهم الفتى الأزدي إتلاف مالهوهم الفتى القيسي جمع الدراهم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فلا يحسب التمتام أني هجوتهولكنني فضلت أهل المكارم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فيا أيها الساعي الذي ليس مدركاًبمسعاته سعي البحور الخضارم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
سعيت ولم تدرك نوال ابن حاتملفكِّ أسير واحتمال العظائم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
كفاك بناء المكرمات ابن حاتمونمت وما الأزدي بنائم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فيا ابن أسيد لا تساهم ابن حاتمفتقرع إن ساميته سنَّ نادم
هو البحر إن كلفت نفسك خوضهتهالكت في آذيّه المتلاطم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
تمنيت مجداً في سليمٍ سفاهةأماني خالٍ أو أماني حالم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
ألا إنما آل المهلب غرةوفي الحرب قادات لكم بالخزائم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
هم الأنف في الخرطوم والناس بعدهممناسم. والخرطوم فوق المناسم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
قضيت لكم آل المهلب بالعلاوتفضيلكم حتى على كل حالم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
لكم شيم ليست لخلقٍ سواكمسماح وصدق البأس عن الملاحم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

مهينون للأموال فيما بينكم ... مناعيش دفاعون عن كل جارم قال دعبل بن علي الخزاعي - المقدم ذكره -: قلت لمروان بن أبي حفصة الشاعر - وقد تقدم ذكره أيضاً -: يا أبا السمط، من أشعركم جماعة المحدثين قال: أسيرنا بيتاً، قلت: ومن هو قال: الذي يقول:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد بن سليمٍ والأغر ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وكنت قد ذكرت بعض هذه الأبيات في ترجمة أخيه روح بن حاتم، ثم إني ظفرت بها أكمل من تلك فأحببت أن أفرد له ترجمة وأذكر ما جرى له، أن مثله لا يصلح لأن يكون ضميمة في ترجمة أخيه.

وكان ربيعة بن ثابت الرقي قد قصده قبل هذه المرة، فلم ير منه من الإحسان ما كان يرجوه، فنظم أبياتاً من جملتها:

أراني ولا كفران لله راجعاً ... بخفي حنينٍ من نوال ابن حاتم ولما عقد أبو جعفر المنصور ليزيد المهلبي المذكور على بلاد إفريقية وليزيد السلمي المذكور على ديار مصر خرجا معاً، فكان يزيد المهلبي يقوم بكفاية الجيشين فقال ربيعة الرقي المذكور:

يزيد الخير، إن يزيد قوميسميك لا يجود كما تجود

تقود كتيبةً ويقود أخرى ... فترزق من تقود ومن يقود قلت: وهذا يدل على أن ربيعة المذكور مولى بني سليم لقوله: " يزيد قومي "، والله أعلم.

وقدم أشعب المشهور بالطمع على يزيد وهو بمصر، فجلس في مجلسه، ودعا بغلامه فساره، فقام أشعب فقبل يده، فقال له يزيد: لم فعلت هذا فقال: إني رأيتك تسار غلامك فظننت أنك أمرت لي بشيء، فضحك منه وقال: ما فعلت هذا ولكنني أفعل، ووصله وأحسن إليه.

وقال الطرطوشي في كتاب " سراج الملوك " قال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم حكيماً يقول: والله ما هبت شيئاً قط هيبتي لرجل ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله تعالى، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك.

وذكر أبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب " أن المشهر التميمي الشاعر وفد على يزيد بن حاتم بإفريقية فأنشده:

إليك قصرنا النصف من صلواتنامسيرة شهر ثم شهرٍ نواصله
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «صحا بعد جهل فاستراحت عواذله»

فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك، ولكن أهنأ البرِّ عاجله فأمر يزيد بوضع العطاء في جنده وكان معه خمسون ألف مرتزق، فقال: من أحب أن يسرني فليضع هذا من عطائه درهمين، فاجتمع له مائة ألف درهم، وضم يزيد إلى ذلك مائة ألف درهم أخرى ودفعها إليه.

قلت: ثم وجدت البيتين المذكورين لمروان بن أبي حفصة، والله أعلم.

وقد ذكره الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في " تاريخ دمشق " فقال بعد ذكر أحواله وولاياته: إن يزيد بن حاتم قال لجلسائه: استنقوا لي ثلاثة أبيات، فقال صفوان بن صفوان من بني الحارث بن الخزرج: أفيك فقال: فيمن شئتم، فكأنها كانت في كمه:

لم أدر ما الجود إلا ما سمعت بهحتى لقيت يزيداً عصمة الناس
للشاعر صفوان الأنصاري، اقرأ القصيدة
لقيت أجود من يمشي على قدمٍمفضلاً برداء الجود والباس
للشاعر صفوان الأنصاري، اقرأ القصيدة

لو نيل بالجود مجد كنت صاحبه ... وكنت أولى به: ثم كففت، فقال: أتمم، من آل عباس، فقلت: لا يصلح، فقال: لا يسمعن هذا منك أحد.

وقال يموت بن المزرع: قال لي الأصمعي يوماً، وقد جئته مسلماً إلى أن ذكر الشعراء المحسنين المداحين من المولدين، فقال لي: يا أبا عثمان، ابن المولى من المحسنين المداحين، ولقد أسهرني في ليلتي هذه حسن مديحه يزيد بن حاتم حيث يقول:

وإذا تباع كريمة أو تشترىفسواك بائعها وأنت المشتري
للشاعر عبد الحسين محي الدين، اقرأ القصيدة
وإذا تخيل من سحابك لامعسبقت مخيلته يد المستمطر
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وإذا صنعت صنيعةً اتممتهابيدين ليس نداهما بمكدر
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

وإذا الفوارس عددت أبطالها ... عدوك في أبطالهم بالخنصر ولما قدم عليه ابن المولى المذكور أنشده وهو أمير مصر:

يا واحد العرب الذيأضحى وليس له نظير
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير فدعا يزيد بخازنه وقال: كم في بيت مالي قال: فيه من العين والورق ما مبلغه عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى الله تعالى وإليك، والله لو أن في ملكي غيرها لما ادخرتها عنك، وهذا ابن المولى هو أبو عبد الله محمد بن مسلم، وعرف بابن المولى.

وروى الأصمعي أيضاً أن يزيد لما كان بإفريقية جاءه البشير يخبره أنه ولد له مولود بالبصرة، فقال: قد سميته المغيرة، وكان عنده المشهر التميمي فقال: بارك الله لك أيها الأمير فيه وبارك له في بنيه كما بارك لجده في أبيه.

ولم يزل والياً بإفريقية إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بالقيروان، ودفن بباب سلم، واستخلف على إفريقية ولده داود بن يزيد فعزله هارون الرشيد في سنة اثنتين وسبعين ومائة، وولاها عمه روح بن حاتم - المقدم ذكره -.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.