تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

يزيد بن مزيد الشيباني

أبو خالد وأبو الزبير، يزيد بن مزيد بن زائدة، وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني - المقدم ذكره -، وقد استوفيت ذكر نسبه هناك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا.

كان يزيد المذكور من المراء المشهورين والشجعان المعروفين، كان والياً بأرمينية فعزله عنها هارون الرشيد سنة اثنتين وسبعين ومائة، ثم ولاه إياها وضم إليها أذربيجان في سنة ثلاث وثمانين.

وقد سبق طرف من خبره في ترجمة الوليد بن طريف الشيباني الخارجي فإنه الذي تولى محاربته وقتله: ذكر أرباب التاريخ أن الوليد بن طريف الشيباني لما خرج على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة، وهي فيما بين الفرات وشط الموصل، وذلك في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكثر جمعه من الشراة حتى انتشروا في تلك البلاد، ونهض إليهم عامل ديار ربيعة فقتلوه، وصاروا إلى ديار مصر، فحصروا عبد الملك بن صالح بن علي العباسي بالرقة، فاستشار هارون الرشيد يحيى بن خالد البرمكي فيمن يوجهه لحرب الوليد بن طريف، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: وجه موسى بن حازم التميمي، فإن فرعون كان اسمه الوليد فغرقه موسى ﵇، فوجهه إليه الرشيد في جيش كثيف، فلاقاه الوليد في أصحابه فهزمه الوليد وقتله، فلما بلغ الرشيد ذلك وجه إليه معمر بن عيسى العبدي، فكانت بينهما عدة وقائع بناحية دارا من ديار ربيعة، فلما اتصل ذلك وكثرت جموع الوليد وظهر هذا الظهور العظيم، قال الرشيد: ليس لها إلا الأعرابي يزيد بن مزيد الشيباني، فقال بكر بن النطاح الشاعر:

لا تبعثن إلى ربيعة غيرها ... إن الحديد بغيره لا يفلح فوجه الرشيد إليه يزيد المذكور في عسكر ضخم وأمره بمناجزته، فقصده يزيد وجعل الوليد يراوغه ويزيد يتبعه، وكان الوليد ذا مكر ودهاء. ثم كانت بينهما حرب صعبة، وبلغ الرشيد مماطلة يزيد بن مزيد له، فوجه إليه خيلاً بعد خيل، ثم بعث إليه من يعنفه، فسار يزيد في طلبه، ثم نزل يصلي الصبح، فلم يستتم صلاته حتى طلع الوليد عليه في عسكره، واصطفت الخيلان وتزاحف الناس؛ فلما شبت الحرب ناداه يزيد: يا وليد، ما حاجتك إلى التستر بالرجال ابرز إلي، قال: نعم والله، فبرز الوليد وبرز إليه يزيد، ووقف العسكران فلم يتحرك منهما أحد، فتطاردا ساعة، وكل واحد منهما لا يقدر على صاحبه، حتى مضت ساعات من النهار، فأمكنت يزيد فيه الفرصة فضرب رجله فسقط، وصاح بخيله فسقطوا عليه واحتزوا رأسه.

ذكر أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن القراب الهروي في تاريخه أن الوليد بن طريف قتله يزيد بن مزيد بالحديثة من أرض الجزيرة، قلت: وهذه الجزيرة هي الجزيرة الفراتية، والحديثة بالقرب من عانة، وتعرف بحديثة النورة، وهي على فراسخ من الأنبار، وهي غير حديثة الموصل.

ووجه يزيد برأس الوليد إلى الرشيد، وبكتاب الفتح مع ابنه أسد بن يزيد، وفي ذلك يقول أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المشهور، وكان منقطعاً إلى يزيد ومختصاً به:

سل الخليفة سيفاً من بني مطرٍيمضي فيخترق الأجسام والهاما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»
لولا يزيد ومقدار له سببعاش الوليد مع العامين أعواما
أكرم به وبآباءٍ له سلفواأبقوا من المجد أياماً وأياما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

ولما انصرف يزيد إلى باب الرشيد قدمه ورفع مرتبته وقال له: يا يزيد، ما أكثر أمراء المؤمنين في قومك قال: نعم، إلا أن منابرهم الجذوع، يعني الجذوع التي يصلبون عليها إذا قتلوا.

وكان قتل الوليد في سنة تسع وسبعين ومائة - كما سبق ذكره في ترجمته - ورثته أخته بتلك البيات الفائية المذكورة هناك، وقال أخته الفارعة فيه أيضاً:

يا بني وائلٍ لقد فجعتكممن يزيدٍ سيوفه بالوليد
لو سيوف سوى سيوف يزيدقاتلته لاقت خلاف السعود
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

وائل بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد غير الحديد وقد روي أن هارون الرشيد لما جهز يزيد بن مزيد إلى حرب الوليد بن طريف أعطاه ذا الفقار سيف النبي ﷺ، وقال له: خذه يا يزيد فإنك ستنصر به، فأخذه ومضى، وكان من هزيمة الوليد وقتله ما قد شرحناه، وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد الأنصاري من جملة قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد المذكور:

أذكرت سيف رسول الله سنته ... وبأس أوَّل من صلى وصاما يعني بأس علي بن أبي طالب ﵁ إذ كان هو الضارب به.

وقد ذكر هشام بن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب " شيئاً يتعلق بذي الفقار، وهي فائدة يحسن ذكرها هاهنا، فإنه قال في نسب قريش: منبه ونبيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم القرشي، كانا سيدي بني سهم في الجاهلية قتلا يوم بدر كافرين، وكانا من المطعمين، والعاص ابن نبيه قتل مع أبيه، وكان له ذو الفقار، قتله علي بن أبي طالب رضي الله

عنه يوم بدر وأخذه منه، وقال غير [ابن] الكلبي: إن ذا الفقار أعطاه النبي ﷺ لعلي ﵁.

والفقار: بفتح الفاء، جمع فقارة الظهر، يقال في جمعها فقار، وفقارات، ويقال ذو الفقار، بكسر الفاء أيضاً، والفقار: جمع فقرة، بكسر الفاء وسكون القاف، ولم يات مثله في الجموع إلا قولهم إبرة وإبار.

رجعنا إلى حديث ذي الفقار:

وكان سبب وصوله إلى هارون الرشيد فيما ذكره أبو جعفر الطبري بإسناد متصل إلى عمر بن المتوكل [عن أمه] وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، قالت: كان ذو الفقار مع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ يوم قتل في محاربته لجيش أبي جعفر المنصور العباسي، والواقعة مشهورة، فلما أحس محمد بالموت دفع ذا الفقار إلى رجل من التجار كان معه، وكان عليه أربعمائة دينار، وقال له: خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك، فكان السيف عند ذلك التاجر حتى ولي جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب ﵁ اليمن والمدينة، فأخبر عنه، فدعا بالرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة دينار، فلم يزل عنده حتى قام المهدي بن منصور، واتصل خبره به فأخذه، ثم صار إلى موسى الهادي ثم إلى أخيه هارون الرشيد. وقال الأصمعي: رأيت الرشيد بطوس متقلداً سيفاً، فقال: يا أصمعي، ألا أريك ذا الفقار قلت: بلى جعلني الله فداك، فقال: استل سيفي هذا، فاستللته، فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة.

قلت: خرجنا عن المقصود، فلنرجع إلى تتمة حديث يزيد بن مزيد: ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في " تاريخ بغداد " أن يزيد المذكور دخل على الرشيد، فقال له الرشيد: يا يزيد، من الذي يقول فيك:

لا يعبق الطيب كفيه ومفرقهولا يمسح عينيه من الكحل

قد عوّد الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل فقال: لا أدري يا أمير المؤمنين، قال: أفيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله فانصرف خجلاً، فقال لحاجبه من بالباب من الشعراء فقال: مسلم بن الوليد الأنصاري، قال: ومنذ كم هو مقيم بالباب قال: منذ زمان طويل منعته من الوصول إليك لما عرفته من إضاقتك، قال: أدخله فأدخله، فأنشده هذه القصيدة حتى ختمها، فقال للوكيل: بع ضيعتي الفلانية وأعطه نصف ثمنها واحتبس نصفاً لنفقتنا، فباعها بمائة ألف درهم، فأعطى مسلماً خمسين ألفاً، ورفع الخبر إلى الرشيد فاستحضر يزيد وسأله عن الخبر فأعلمه الحديث، فقال: قد أمرت لك بمائتي ألف درهم لتسترجع الضيعة بمائة ألف درهم وتزيد الشاعر خمسين ألفاً وخمسين ألفاً لنفسك.

قال أبو بكر ابن الأنباري، قال أبي: سرق مسلم بن الوليد هذا المعنى من قول النابغة الذبياني حيث يقول:

إذا غزوا بالجيش حلق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهمٍ ، يا أميمة َ ، ناصبِ ،»
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهممن الضاريات بالدماء الدوارب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
جوانح قد أيقن أن قبيلهإذا ما التقى الجمعان أول غالب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
لهن عليهم عادة قد عرفنهاإذا عرض الخطي فوق الكواثب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

الكواثب: بالثاء المثلثة وبعدها الباء الموحدة، جمع كاثبة، وهي ما يقرب من منسج الفرس أمام قربوس السرج.

قلت: وأول قصيدة مسلم بن الوليد الأنصاري:

أجررت حبل خليعٍ في الصبا غزلوقصرت همم العذال عن عذلي ومن مديحها:
حاط الخلافة سيف من بني مطرأقام قائمه من كان ذا ميل
كم صائلٍ في ذرا علياء مملكةٍلولا يزيد بني شيبان لم يصل
ناب الإمام الذي يفتر عنه إذاما افترت الحرب عن أنيابها العصل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
يفتر عند افترار الحرب مبتسماًإذا تغير وجه الفارس البطل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
ينال بالرفق ما يعيا الرجال بهكالموت مستعجلاً يأتي على مهل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
لا يرحل الناس إلا عند حجرتهكالبيت يضحي إليه ملتقى السبل
يكسو نفوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذبل
يغدو فتغدو المنايا في أسنتهشوارعاً تتحدى الناس بالأجل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
إذا طغت فئة عن عبّ طاعتهعبّا لها الموت بين البيض والأسل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

تراه في الأمن في درعٍ مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " في ترجمة مسلم بن الوليد الأنصاري، قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد يوماً في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي، فأتيته لابساً سلاحي مستعداً لأمرٍ إن أراده، فلما رآني ضحك إلي وقال: من الذي يقول فيك:

تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوأةً لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، هو مسلم بن الوليد، فانصرفت ودعوت به ووصلته ووليته.

قلت: وهذان البيتان من جملة القصيدة التي ذكرت منها الأبيات قبلها.

وقد روي أن عمه معن بن زائدة كان يقدمه على أولاده، فعاتبته امرأته في ذلك وقالت له: كم تقدم يزيد ابن أخيك وتؤخر بنيك، ولو قدمتهم لتقدموا ولو رفعتهم لارتفعوا، فقال لها: إن يزيد قريب مني وله علي حق الولد إذ كنت عمه، وبعد فإن بني ألوط بقلبي وأدنى من نفسي، ولكني لا أجد عندهم من الغناء ما عنده، ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريباً أو عدم لصار حبيباً، وسأريك في هذه الليلة ما تبسطين به عذري، يا غلام اذهب فادع جساساً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً، حتى أتى على جميع أولاده، فلم يلبثوا أن جاؤوا في الغلائل المطيبة والنعال السندية، وذلك بعد هدأة من الليل، فسلموا وجلسوا، ثم قال معن: يا غلام ادع يزيد، فلم يلبث أن دخل عجلاً وعليه سلاحه، فوضع رمحه بباب المجلس ثم دخل، فقال له معن: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير فقال: جاءني رسول الأمير فيبق وهمي إلى أنه يريدني لمهم، فلبست سلاحي وقلت: إن كان الأمر كذلك مضيت ولم أعرج، وإن كان على غير ذلك فنزع هذه الآلة عني من أيسر شيء، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلما خرجوا قالت زوجته: قد تبين لي عذرك، فأنشد متمثلاً:

نفس عصامٍ سودت عصاما ... وعلمته الكر والأقداما وصيرته ملكاً هماماً ... وإلى هذه الحالة أشار مسلم بن الوليد بقوله:

تراه في الأمن في درع مضاعفة ... .........

وقد روي أن مسلم بن الوليد لما انتهى في إنشاء هذه القصيدة إلى هذا البيت قال له يزيد بن مزيد الممدوح: هلا قلت كما قال أعشى بكر بن وائل في مديح قيس بن معدي كرب:

وإذا تجيء كتيبة ملمومةشهباء تجتنب الكماة نزالها

كنت المقدم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها فقال مسلم: قولي أحسن من قوله، لأنه وصفه بالخرق وأنا وصفتك بالحزم.

الخرق: بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها قاف، وهو الاسم من عدم معرفة العمل.

قلت: وقيس الذي مدحه الأعشى هو والد الأشعث بن قيس الكندي أحد الصحابة رضوان الله عليهم.

قلت: وقد تقدم الكلام على قوله:

قد عود الطير عادات وثقن بها ... وأنه أخذ هذا المعنى من أبيات النابغة البائية التي تقدم ذكرها، وقد وافقه في أخذ هذا المعنى جماعة منهم أبو فراس، قال عمر الوراق: سمعت أبا نواس ينشد قصيدته الرائية التي أولها:

أيها المنتاب من عفرهلست من ليلي ولا سمره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
لا أذود الطير عن شجرٍقد بلوت المر من ثمره فحسدته عليها، فلما بلغ إلى قوله:
وإذا مج القنا علقاًوتراءى الموت في صوره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
راح في ثنيي مفاضتهأسد يدمى شبا ظفره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
تتأي الطير غدوتهثقة بالشبع من جزره قلت له: ما تركت للنابغة شيئاً حيث يقول:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهمعصائب طيرٍ تهتدي بعصائب فقال: اسكت، فلئن أحسن الاختراع لما أسأت الاتباع

وأخذ هذا المعنى أبو تمام حبيب بن أوس الطائي فقال:

وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىًبعقبان طيرٍ في الدماء نواهل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
أقامت على الرايات حتى كأنهامن الجيش إلا أنها لم تقاتل وقال المتنبي أيضاً:

يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع وللمتنبي أيضاً في صفة جيش وقد ألم بهذا المعنى:

وذي لجب لا ذو الجناح أمامهبناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تمر عليه الشمس وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم ولما كان يزيد والياً على اليمن قصده أبو الشمقمق مروان بن محمد - مولى مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية - الشاعر المشهور الكوفي، وكنيته أبو محمد، وكان مشهوراً بأبي الشمقمق، وهو في حال رثة، وكان راجلاً، فمدحه وشرح حاله بقوله:

رحل المطي إليك طلاب الندىورحلت نحوك ناقةً نعليه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «رحل المطي إليك طلاب الندى»
إذا لم تكن لي يا يزيد مطيةفجعلتها لي في السفار مطيه
تخدي أمام اليعملات وتغتليفي السير تترك خلفها المهريه
من كل طاوية الصوى مزورةٍقطعاً لكل تنوفةٍ دويه ومنها:
تنتاب أكرم وائل في بيتهاحسباً وقبة مجدها مبنيه
أعني يزيداً سيف آل محمدفرّاج كل شديدة مخشيه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «رحل المطي إليك طلاب الندى»
يوماه يوم للمواهب والجداخضل ويوم دمٍ وخطف منيه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «رحل المطي إليك طلاب الندى»

ولقد أتيتك واثقاً بك عالماً ... أن لست تسمع مدحة بنسيه فقال: صدقت يا شمقمقي ولست أقبل مدحة بسيئة، أعطوه ألف دينار ومدحه أبو الفضل منصور بن سلمة النمري الشاعر المشهور بقصيدة طويلةٍ بائية أحسن فيها كل الإحسان منها قوله:

لو لم يكن لبني شيبان من حسبٍسوى يزيد لفاتوا الناس بالحسب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

ما أعرف الناس أن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتي على النشب وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " أن يزيد بن مزيد المذكور نظر إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره، وإذا هو خاضب، فقال له: إنك من لحيتك في مؤنة، فقال: أجل ولذلك أقول:

لها درهم للدهن في كل ليلةٍوآخر للحناء يبتدران

ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوّت في حافاتها الجلمان قلت، الجلمان: بفتح الجيم واللام، تثنية جلم، وهو المقص.

وقال له هارون الرشيد يوماً: يا يزيد، إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد أعد لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة لطاعتك، وسيفاً مشحوذاً على عدوك، فإذا شئت فقل. وذكر المسعودي في كتاب " مروج الذهب ومعادن الجوهر " أن هذه المقالة دارت بين هارون الرشيد ومعن بن زائدة عم يزيد المذكور، ثم قال بعد هذا: وقيل إن هذا الكلام من كلام يزيد بن مزيد.

قلت أنا: وهذا لا يمكن أن يكون بين الرشيد ومعن أصلاً، لأن معناً قتل في خلافة أبي جعفر المنصور - حسبما تقدم ذكره في ترجمته - على الاختلاف في السنة، وهو بعد الخمسين ومائة، فكيف يمكن أن يقول له الرشيد ذلك والرشيد ولي الخلافة في سنة سبعين ومائة

وذكر ابن أبي عون في كتاب " الأجوبة المسكتة " أن الرشيد قال ليزيد المذكور في لعب الصوالجة: كن مع عيسى بن جعفر، فأبى يزيد فغضب الرشيد وقال: تأنف أن تكون معه فقال: قد حلفت لأمير المؤمنين أن لا أكون عليه في جد ولا هزل.

ورأيت في بعض المجاميع حكاية عن بعضهم أنه قال: كنت مع يزيد بن مزيد، فإذا صائح في الليل: يا يزيد بن مزيد، فقال يزيد: علي بهذا الصائح، فلما جيء به قال له: ما حملك على أن ناديت بهذا الاسم فقال: نفقت دابتي ونفدت نفقتي، وسمعت قول الشاعر فتيمنت به، فقال: وما قال الشاعر فأنشد:

إذا قيل من للمجد والجود والندى ... فناد بصوتٍ يا يزيد بن مزيد فلما سمع يزيد مقالته هش له وقال له: أتعرف يزيد بن مزيد قال: لا والله، قال: أنا هو، وأمر له بفرسٍ أبلق كان معجباً به وبمائة دينار.

وقد أطلنا القول في هذه الترجمة، لكن الكلام شجون يتعلق بعضه ببعض، ومحاسن يزيد كثيرة، وتوفي في سنة خمس وثمانين ومائة، ورثاه أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي الشاعر المشهور، وقيل بل هذه المرثية لأبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المذكور، والصحيح أنها للتيمي المذكور، وهي:

أحقاً أنه أودى يزيدتبيّن أيها الناعي المشيد
أتدري من نعيت وكيف فاهتبه شفتاك كان بها الصعيد
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
أحامي المجد والإسلام أودىفما للأرض ويحك لا تميد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أحق أنه أودى يزيد»
تأمل هل ترى الإسلام مالتدعائمه وهل شاب الوليد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أحق أنه أودى يزيد»
وهل شيحت سيوف بني نزاروهل وضعت عن الخيل اللبود
وهل تسقي البلاد ثقال مزنبدرتها وهل يخضر عود
أما هدُّت لمصرعه نزاربلى، وتقوض المجد المشيد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أحق أنه أودى يزيد»
وحل ضريحه إذا حل فيهطريف المجد والحسب التليد
أما والله ما تنفك عينيعليك بدمعها أبداً تجود
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
وإن تجمد دموع لئيم قومفليس لدمع ذي حسب جمود
أبعد يزيد تحزن البواكيدموعاً أو يصان لها حدود
لتبكك قبة الإسلام لماوهت أطنابها ووهى العمود
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أحق أنه أودى يزيد»
ويبكي شاعر لم يبق دهرله نشباً وقد كسد القصيد
فإن يهلك يزيد فكل حيفريس للمنية أو طريد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أحق أنه أودى يزيد»

لقد عزى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود قلت: وهذا البيت الأخير قد استعمله الشعراء كثيراً، فمن ذلك قول مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي من جملة أبيات:

فاذهب بمن شئت إذ ذهبت بهما بعد يحيى في الرزء من ألم
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

وقول أبي النواس يرثي الأمين:

وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر وقول إبراهيم بن العباس الصولي يرثي ابنه:

أنت السواد لمقلةتبكي عليك وناظر

من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " في ترجمة مسلم بن الوليد بإسناد متصل إلى أحمد بن أبي سعد قال: أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية وهو يأكل، فلما رفع يده من الكعام وطئها فلم ينزل عنها إلا ميتاً، وهو ببردعة، فدفن في مقابر بردعة، وكان مسلم بن الوليد معه في جملة أصحاب فقال يرثيه:

قبر ببردعة استمر ضريحهخطراً تقاصر دونه الخطار
أبقى الزمان على ربيعة بعدهحزناً لعمر الله ليس يعار
سلكت بك العرب السبيل إلى العلاحتى إذا سبق الردى بك حاروا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قبر ببرذعة استسر ضريحه»
نفضت بك الأحلام آمال الغنىواسترجعت زوارها المصار

فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ ... أثني عليها السهل والأوعار قد قيل إن هذا البيت الأخير أبلغ شيء في المراثي، وهذه الأبيات في كتاب " الحماسة " في باب المراثي.

وبردعة: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعدها دال مهملة ثم عين مهملة، وهي مدينة من أقصى بلاد أذربيجان. قلت: هكذا رأيته في التواريخ،

وأهل تلك البلاد يقولون بردعة من إقليم إران، والله أعلم؛ ويقال برذعة أيضاً، بالذال المعجمة، وكذلك بردعة الدابة يقال بالدال والذال.

وقد قيل إن مسلم بن الوليد إنما رثى بهذه الأبيات يزيد بن أحمد السلمي، وقيل بل رثى بها مالك بن علي الخزاعي، وإن أول الأبيات:

قبر بحلوان استسر ضريحه ... لأن الذي قيلت فيه مات بحلوان، بضم الحاء المهملة، وهي آخر مدينة بأرض السواد من أعمال العراق، والله أعلم بالصواب في ذلك كله.

وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب " معجم الشعراء " أن أبا البلهاء عمير بن عامر مولى يزيد بن مزيد الشيباني هو القائل:

نعم الفتى فجمعت به إخوانهيوم البقيع حوادث الأيام
سهل الفناء إذا حللت ببابهطلق اليدين مؤدب الخدام
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة

وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام وذكر أبو تمام الطائي هذه الأبيات في كتاب " الحماسة " في باب المراثي لمحمد بن بشير الخارجي، وقيل ابن يسير بالسين المهملة وهو فعل من اليسر، وبشير من البشارة، وهو من خارجة عدوان، قبيلة، وليس من الخوارج، والله أعلم بالصواب في ذلك كله.

ورثاه منصور النمري، وهي في كتاب " الحماسة " بقوله:

أبا خالد، ما كان أدهى مصيبةًأصابت معداً يوم أصبحت ثاويا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لعمري لئن سر الأعادي فأظهرواشماتاً لقد مروا بربعك خاليا
فإن يك أفتنه الليالي وأوشكتفإن له ذكر سيفني اللياليا

وكان ليزيد ولدان نجيبان جليلان سيدان:

أحدهما خالد بن يزيد وهو ممدوح أبي تمام الطائي، وله فيه أحسن المدائح، وقد تضمنها ديوانه، فلا حاجة إلى ذكر شيء منها لشهرة ديوانه.

والآخر محمد بن يزيد، كان موصوفاً بالكرم وأنه لا يرد طالباً، فإن لم يحضره مال لم يقل لا، بل يعد ثم يعجل العدة، ومدحه أحمد بن أبي فنن صالح بن سعيد بقوله، ثم وجدت هذه الأبيات لأبي الشيص الخزاعي في كتاب " البارع ":

عشق المكارم فهو مشتغل بهاوالمكرمات قليلة العشاق
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
وأقام سوقاً للثناء ولم تكنسوق الثناء تعد في الأسواق
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

بث الصنائع في البلاد فأصبحت ... تجنى إليه محامد الآفاق وكان خالد بن يزيد قد تولى الموصل من جهة المأمون، فوصل إليها وفي صحبته أبو الشمقمق الشاعر الذي ذكرته في هذه الترجمة، فلما دخل خالد إلى الموصل نشب اللواء الذي لخالد في سقف باب المدينة فاندق، فتطير خالد من ذلك، فأنشده أبو الشمقمق ارتجالاً:

ما كان مندق اللواء لريبةٍتخشى ولا سوءٍ يكون معجلا

لكن هذا الرمح أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا فبلغ الخليفة ما جرى، فكتب إلى خالد بن يزيد: قد زدنا في ولايتك ديار ربيعة كلها لكون رمحك استقل الموصل، ففرح بذلك وأجزل جائزة أبي الشمقمق.

ولما انتفض أمر أرمينية في أيام الواثق جهز إليها خالد بن يزيد المذكور في

جيش عظيم فاعتل في الطريق ومات في سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمدينة دبيل أرمينية، ﵏ أجمعين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.