تجاوز إلى المحتوى

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

(قال) الشيخ الإمام العلامة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن أبى بكر المخزومي رحمه الله تعالى ورضى عنه: الحمد لله الذي شرح صدورنا لسلوك عروض الإسلام، وجعل أفكارنا قافيةً لآثار العلماء الأعلام، تمسكاً من محبتهم بأوثق الأسباب، وتبركا بفضلهم الوافر الذي لا يعقله إلا العالمون أولو الألباب، أحمده حمد من ذللت له الصعاب فنجا من مهالكها، وظفر بكنوزها، ورامت المشكلات أن تتحجب عنه فاطلع على خباياها وكشف له عن رموزها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الذي نهى عما شان، وأمر بما زان، فقال وقوله الحق (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الخليل الأعظم، والسيد الذي لم تنزل مناقبه في أبيات الشرف تحل، وفي أسلاك السؤدد تنظم، الذي أفاض على أهل البسيطة مديد فضله وبسيطه، ونهك المشركين حتى أصبحت دائرة السوء بهم محيطة:

يالهُ من رسولِ حقٍ كريمٍللعدى والهدَى مُبيدٍ مُفيدٍ
إنْ أكنْ بالمديح أشعُر فيهفاعترافى بالعجز بيتُ القصيدِ

صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ذوى الشيم التي هي فاعلات لكل جميل وكافلات للظفر من مراقبة الحق بغاية التأميل، الذين أتقنوا تأسيس الدين، وأحسنوا توجيه النفوس إلى مكارم الأخلاق، وقيدوا الأوقات على هذا الصنع الجميل وما جرى مجراه فشكر لهم ذلك التقييد على الإطلاق.

ووالى الصلاة وسلم وشرف ومجد وكرم.

أما بعد، فلا يخفى أن العروض صناعة تقيم لبضاعة الشعر في سوق المحاسن وزناً، وتجعل تعاطيه بالقسطاس المستقيم سهلاً بعد أن كان حزنا. وقد كنت في زمن الصبا مشغوفا بالنظر إلى محاسن هذا الفن، مولعاً بالتنقير عن مباحثه التي طن على أذنى منها ما طن، أطيل الوقوف بمعاهده، وأتردد إلى بيوت شواهده، وأسبح في بحاره سبحا طويلا، وأجد التعلق بسببه خفيفا، وإن كان الجاهل يراه سبباً ثقيلا، إلى أن ظفرت في أثناء تصفحي لكتب هذا بالقصيدة المقصورة المسماة بالرامزة، نظم الشيخ الإمام البارع ضياء الدين أبى محمد عبد الله بن محمد الخزرجى نور الله ضريحه، وأمد بمدد الرحمة روحه، فوجدتها بديعة المثال بعيدة المنال، ورمت أن أذوق حلاوة فهمها فإذا الناس صيام، وحاولت أن أفترع أبكار نعانيها فإذا هي من المقصورات في الخيام.

وطمعت منها في لين الانقياد فأبدت إباءً وعزا، وسامتها الأفهام أن تفصح عن المراد فأبت أن تكلم الناس إلا رمزاً، فطفقت أطلق النوم لمراجعتها وأنازل السهر لمطالتعها، مع أنى لا أجد شيخا أتطفل بقدرى الحقير على فضله الجليل، ولا أرى خليلاً أشاركه في الفن، وهيهات عدم في هذا الفن الخليل.

ولم أزل على ذلك إلى أن حصلت على حل معقودها، وتحرير نقودها، وسددت سهام البحث إليها، وعطرت المحافل بنفحات الثناء عليها، فقتلتها خبراً وأحييت لها بين الطلبة ذكرا، وعلقت عليها شرحاً مختصراً يضرب في هذا الفن بسهم مصيب، ويقسم للطالب من المطلوب أوفى وأوفر نصيب.

ثم قدم علينا بعض طلبة الأندلس بشرح على هذه المقصورة للإمام العلامة قاضي الجماعة بغرناطة، السيد الشريف أبى عبد الله محمد بن أحمد الحسيني السبتى، ﵀ عليه ورضوانه، فإذا هو شرح بديع لم يسبق إليه، ومؤلف نفيس ملأه من بدائع الحل بما يستحليه ذوق الواقف عليه، ووجدته قد سبقني إلى ابتكار ما ظننت أنى أبو عذرته، وتقدمني إلى الاحتكام في كثير مما خلت أنى مالك إمرته، فحمدت الله إذ وفقني لموافقة عالم متقدم، وشكرته على ما أنعم به من ذلك، ولم أكن على ما فات من السبق بمنتدم، لكنني أعرضت عما كنت كتيته، وطرحته في زوايا الإهمال واجتنبته، إلى أن حركت الأقدار عزمي في هذا الوقت إلى كتابة شرح وسيط، فوق الوجيز ودون البسيط، جمعت فيه بين ما سبق إليه من المعنى الشريف، وما سنح بعده للفكر من تالد وطريف، وبعض ما وقفت عليه لأئمة هذا الشآن، متحرباً لمازان متحرباً عما شان، معترفا بعجز الفكر وقصوره، وكلال الذهن وفتوره.

ولما حوى هذا الشرح عيونا من النكت تطيل على خفايا المقصورة غمزها، وتكشف للأفهام حجبها المستورة وتظهر رمزها، سميته (بالعيون الغامزة على خبايا الرامزة) والله أسأل أن ينفع به ويصل أسباب الخير بسببه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال الناظم رحمه الله تعالى:

وللشعرميزانٌ تسمى عروضُهُبها النقصُ والرجحانُ يدريهما الفتى

أقول: أورد كلامه في هذا البيت على وجه يشعر بتعريف العروض، وكأنه يشير إلى ما عرفه به بعض الفضلاء حيث قال: (العروض آلة قانونية يتعرف منها صحيح أوزان الشعر العربي وفاسدها).

فغن قلت: الشعر في هذا التعريف مقيد بالعربي وهو في البيت غير مقيد به، فأنى يشعر كلام الناظم بذلك؟ قلت: لام التعريف من قوله للشعر هي للعهد الذهني، وذلك أن الشعر الذي يعرض فيه العروضيون كلامهم إنما هو العربي، ولما كان الناظم ذمنهم علم بقرينة الحال أن مراده بالشعر ما هو معهود في الأذهان من الشعر المتعارف عند القوم الدائر فيما بينهم، وليس إلا العربي.

وقد ذكروا في وجه تسمية هذا العلم بالعروض وجوهاً أقربها أن العروض اسم لما يعرض عليه الشيء، فنقل إلى هذا الفن لأنه يعرض عليه الشعر، فما وافقه فصحيح وما خالفه ففاسد.

وقال بعض شارحي الساوية: الذي وقع في خاطري أنه سمي بالعروض لأن الخليل ألهمه في العروض، وهي مكة، فسماه بها تبركا وتيمنا، ورغم أن هذا أجود مما ذكروا.

فإن قلت: ماذا أراد الناظم (بالنقص والرجحان) ؟ قلت: الظاهر أنه أراد بالنقص مخالفة الطريقة العربية في وزن الشعر، وبالرجحان موافقتها فيه، فما خرج عن أوزان العرب كان ناقصاً أي لا يعتبر، وما جرى على أسلوبها كان راجحاً، أي معتبراً معتداً به عند أئمة هذا الشآن.

وقال الشارح الشريف: (يريد أن صناعة العروض لما كانت هي الآلة التي يعرف بها صحة أوزان الشعر كانت له كالميزان الذي يظهر لك اعتدال الشيئين من استواء كفتيه، ويبين التباين برجحان إحداهما على الأخرى أو نقصها عنها).

قلت: قضية هذا أن يكون النقص والرجحان جميعاً مشاراً بهما إلى مخالفة شعر العرب، وفيه ما فيه فتأمل.

فإن قلت: كيف يضبط يسمى؟ بالتاء المثناة من فوق، أم الياء آخر الحروف؟ قلت يجوز الأمران معاً، وذلك أن كل لفظتين وضعتا لذات واحدة إحداهما مؤنثة والأخرى مذكرة، وتوسطهما ضمير، جاز تأنيث الضمير وتذكيره. ذكره ابن الحاجب في شرح مفصل.

ولا يخفى أن الميزان مذكر والعروض مؤنث، وأن المراد بهما في هذا المقام واحد، وهو ما وضعنا له من هذا العلم، فقوله (يسمى) محتمل الضمير، فإن اعتبرت تذكير الميزان جعلت الضمير مذكراً، وإن اعتبرت التأنيث باعتبار العروض جعلته مؤنثاً، والتأنيث هنا أحسن لأن العروض مؤنثة، وهي في المعنى خبر عن الميزان، والخبر محط الفائدة. وإلى نحو ذلك أشار ابن الحاجب حيث تكلم على قول الزمخشرى في المفصل بأثر تعريفه للكلام: (ويسمى الجملة).

والضمير المجرور من قوله (بها) يجوز أن يعود على العروض، وأن يعود على الميزان باعتبار كونه آلةً، أو باعتبار أن المراد به العروض، وهي مؤنثة كما سبق. فإن قلت هل من فرق بين التقديرين؟ قلت: نعم، فإنا إن أعدنا الضمير على العروض كانت الجملة بأسرها وهي قوله (بها النقص والرجحان يدريهما الفتى) لا محل لها من الإعراب، وإن أعدناه على الميزان كان لها محل من الإعراب، وهو الرفع على أنها صفة ثانية للميزان، فحرره.

وأما الشعر فقال الخليل: هو ما وافق أوزان العرب، ومقتضاه أنه لا يسمى شعراً ما خرج عن أوزانهم، بل وأن لا تكون أوزان العرب نفسها شعراً، إذ الموافق للشيء غيره، فلو دخلت أوزان العرب فيه لزم مغايرة الشيء لنفسه وهو باطل. وبعضهم عرفه بأنه: (الكلام الموزون، المقصود به الوزن المرتبط لمعنى وقافية). قال: فالوزن تساوي شيئين عدداً وترتيباً. قال: والقصد مخرج لما ورد في القرآن والحديث من آيات وكلمات موزونة. قال: وقولنا المرتبط لمعنىً مخرج لما لا معنى له من الكلام الموزون، نحو ما أنشده القللوسى:

وجهُكَ يا عْمرو فيه طولُوفي وجوه الكلاب طولُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا سيدا لم تزل فروع»
والكلبُ يحمى عن المواشيولستَ تحمي ولاتصولُ
مستفعلن فاعلن فعولنمستفعلن فاعلن فعول
بيت كما أنتَ ليس فيهشيءٌ سوى أنه فضولُ

قلت: قوله (الكلام) يغني عن قوله (المرتبط لمعنى) ضرورة لا كلام إلا وهو مرتبط لمعنى، إذ لو خلا عن معنى يرتبط له لم يكن كلاماً.

قال: وقولنا (وقافية) تحرز من الموزون وليس مقفى، نحو ما أنشده القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإعجاز له:

ربّ أخٍ كنتُ به مغتبطاًأشد كفِّى بُعَرى صُحبتهِ
تمسكاً مني بالودِّ ولاأحسبُه يَزهد في ذي أملِ

قلت: يلزم عليه أن لا يكون ما فيه عيب الإكفاء والإجازة شعراً.

واللازم باطل، فإنه شعر بالإجماع، وإن كان معيباً، وبعد هذا كله فهو منطبق على ما كان من الكلام بالمثابة المذكورة، وهو خارج عن الأوزان العربية، والقوم يأبون ذلك، فإن موضوع هذا العلم عندهم الكلام الموزون بشيء من هذه الأوزان المخصوصة المقررة فيه. ولو قيل: (الشعر كلام وزن على قصد بوزن عربي لكان حسناً) فقولنا (كلام) جنس يشمل المحدود وغيره، وتصدير الحد به مخرج لما لا معنى له من الألفاظ الموزونة. وقولنا (وزن) فصل يخرج الكلام المنثور. وقولنا (على قصد) يخرج ما كان وزنه اتفاقياً، كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها كذلك، كما في قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وكلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقياً غير مقصود، كما في قول النبي ﷺ:

هل أنتِ إلا إصبعٌ دميتِوفي سبيل اله ما لقيتِ
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

فمثل ذلك لا يسمى شعراً، نعود بالله من ذلك. وكذا لو وقع من متكلم لفظ موزون لم يقصد كونه على طريقة الموزون كما يتفق لكثير من الناس، ويقع مثل ذلك حتى لعوام لا شعور لهم بالشعر، ولا إلمام لهم بالوزن البتة، وقد عمد قوم من الشعراء إلى آيات شريفة أدرجوها في أشعارهم إخلالاً منهم بما يجب من مراعاة الآداب والوقوف عند حدود الله، كقول ابن العفيف التلمساني يتغزل:

يا عاشقين حاذروامبتسماً عن ثغرهِ
فطرفه الساحرُ مْذشكتكمُ في أمرهِ
يريد أن يخرجِكُممن أرضكم بسحرهِ
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «غادرني بغدره»

وكقول أبي نواس فيما حكى عنه موطئاً للآية الشريفة التي تلوناها آنفاً.

خُطّ في الأرداف سطرٌفي عروض الشعر موزونْ

وهذا من أفحش السخف وأقبحه، والتهاون بالوقوع في ذلك يجر إلى الانسلال من الدين والعياذ بالله تعالى.

والعجب من قوم يروج عليهم مثل هذا الصنع القبيح، ويستلذون سماعه، ويرونه من الظرف واللطافة، ويعمرون مجالسهم وأنديتهم بمثل ذلك. أولئك لا خلاق لهم في الدنيا والآخرة.

فإن قلت: قد جعل علماء البديع تضمين المتكلم كلامه، شعراً كان أو نثراً، شيئاً من القرآن- لا على أنه منه- من المحاسن، وسموا بالاقتباس، كما هو معروف، ومعنى قولهم (لا على أنه منه) أن يورد الكلام المقتبس على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن، بأن لا يذكر فيه: قال اله تعالى، ونحوه، على ما صرح به التفتازانى، قلت: ذلك محمول على ما إذا لم يؤد الاقتباس إلى إخراج القرآن الشريف إلى معنى غير لائق بجلالته، وأما إذا استعمل على ما فيه إخلال بإجلاله وتعظيمه، فلا يشك مسلم في منع ذلك وتحريمه، وربما أدى إلى الكفر والعياذ بالله. ومن ذا الذي يفهم عن علماء الإسلام أن (الاقتباس) من البديع مطلقاً، سواء كان على وجه حسن أو غيره، كيف ما كان؟ هذا ما لا سبيل إليه أبداً. أو هو محمول على ما إذا ذكر المتكلم كلاماً وجد نظمه في القرآن فأورده غير مريد به القرآن.

قال الشيخ بهاء الدين السبكي في (شرح التلخيص): فلو أخذ مراداً به القرآن كان ذلك من أقبح القبيح، ومن عظام المعاصي، نعوذ بالله منه. قال: وهذا هو معنى قول المصنف، يريد صاحب التلخيص، (لا على أنه منه).

قلت: ولوسلم أن المراد بالاقتباس ما ذكر، وهو الأخذ من القرآن لا على أن المراد به التلاوة، فلا يكون ذلك عذراً لمن فعله على وجه المجون والسخف الذي يتعاطاه المفحشون من الشعراء، ولا ترتفع به الملامة عنه، ولا يسقط بذلك ما يتوجه عليه شرعاً من تأديب وزجر وإقامة حد، ولو فتح باب لقبول العذر لمثل هذا لتطرق إلى الدخول منه كل مريض القلب، منحل عرى الدين، واتخذه ذريعة إلى الاسترسال في الاستخفاف بالشريعة، والعياذ بالله والله أسأل أن يوفقنا لاتباع سبيل السلف الصالح في القول والعمل بمنه وكرمه.

وقولنا (بوزن عربي) يشمل ما كان من نظم العرب أنفسهم وما كان منظوماً من كلام المحدثين على طريقتهم، وهو مخرج لما خالف أساليب أوزانهم، ومثل ذلك بعض المتأخرين بقول البها زهير كاتب الملك الصالح حيث قال:

يامنْ لعبتْ به شَمُولٌما ألطفض هذه الشمائلْ
نشوانُ يهزّه دلالٌكالغصن مع النسيم مائلْ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا من لعبت به شمول»

قلت: ليس هذا من الأوزان المهملة بل هو من بحر الوافر، غير أنه أعقص الجزء الأول والرابع، معقول الثاني والخامس، والعروض والضرب مقطوفان. تقطيعه هكذا:

يا مَنْلَ عِبَتْبهِي شمُولُنْما أَلطَ فَها ذِهِشْ شمائلْ
مفعولُ مفاعلن فعولنمفعول مفاعلن فعولن
أعقص معقول مقطوفأعقص معقول مقطوف

فإن قلت: هذان البيتان من قصيدة مطولة، وكلها جاء على هذا النمط، وليس الوافر مستعملاً على هذا الوجه، قلت: هو من التزام مالا يلزم، وذلك لا يخرجه عن كونه عربياً، ألا ترى لو أن ناظماً نظم قصيدةً من بحر الطويل والتزام في جميع أبياتها قبض الجزء الخماسي حيث وقع لم يكن ذلك مخرجاً لها عن أن تكون من ذلك البحر، مع أنك لا تكاد تجد عربياً يلتزم مثله.

فإن قلت: العقص إنما يكون في صدر البيت، وهو الجزء الأول منه، لا في أول العجز، قلت: لا نسلم، فقد قيل: إن كلا من أول الصدر وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقال:

وأنواعُه قلْ خمسة عشرَ كلُّهاتُؤلفُ من جزئين فرعْينِ لاسِوى
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: المراد (بالأنواع) الأوزان التي نظم العرب عليها أشعارهم. وتسمى بحوراً وأصولاً وأعاريض وأنواعاً وشطورا. وكونها (خمسة عشر) هو مذهب الخليل.

وزاد الأخفش بحراً آخر ذهب إلى أنه مستعمل، وتبعه على ذلك جماعة وهو بحر المتدارك، وستقف عليه إن شاء الله تعالى. والخليل يرى أنه من المهملات.

وقوله (كلها) يحتمل أن يكون تأكيداً لأنواعه، ويحتمل أن يكون تأكيداً لضمير محذوف، أي قل هي كلها خمسة عشر، على رأي من أجاز حذف المؤكد وبقاء توكيده، على كلا الاحتمالين يضبط قوله (تؤلف) بتاء مثناة من فوق ليس إلا، ويحتمل أن يكون (كلها) مبتدأ مخبراً عنه إما بقوله (خمسة عشر)، والجملة خبر المبتدأ الأول وهو (أنواعه)، وإما بقوله (تؤلف)، فيجوز حينئذ ضبط (تؤلف) بالتاء والياء، أي يكون مستنداً إلى ضمير مؤنث رعايةً لمعنى (كل)، أو ضمير مذكر رعاية للفظها.

هذا على رأي الجمهور في تجويز الوجهين إذا كانت (كل) مضافةً إلى معرفة، وزعم ابن هشام في (المغنى) أن الصواب في ذلك أن لا يعود الضمير عليها من خبرها إلا مذكراً مفرداً على لفظها.

وسكن الناظم عين (عشر)، وهو مما يجوز في عد المذكر من أحد عشر وثلاثة عشر إلى تسعة عشر. والجزآن اللذان ذكر أن أنواع الشعر كلها تؤلف منهما يحتمل أن يريد بهما جزئي التفعيل الخماسي والسباعي كما ستعرفه.

والمراد بفرعيتهما كونهما متفرعين عن الأسباب والأوتاد. ويحتمل أن يريد بهما السبب والوتد أنفسهما، وإطلاق الجزء على كل منهما معروف عند أهل الصناعة، والمراد حينئذ بكونهما فرعين أنهما يتفرعان عن الحرف الساكن والحرف المتحرك.

فإن قلت: إلى ماذا أشار بقوله (لا سوى) ؟ قلت: إما على أن المراد بالجزئين لفظا التفعيل الخماسي والسباعي، فأشار به إلى نفي أن تكون البحور مركبة بحسب الأصالة من غير الجزأين الخماسي والسباعي، فلا يركب شيء منها في دائرته من سواهما. وإما على أن المراد بالجزئين السبب والوتد، فأشار به إلى نفي الفاصلتين الصغرى والكبرى، فإن بعض العروضيين ذهب إلى عدهما فيما تتفرع عنه الأجزاء، وهو باطل، لأن الصغرى مركبة من سبب ثقيل فسبب خفيف، فلا حاجة معهما إلى عدها، والكبرى لا تكون إلا في جزء مزاحف، وهو مستفعلن الذي يخبل بحذف سينه وفائه فينقل إلى فعلن، فهذه الأحرف الأربعة المتحركة إنما اجتمعت فيه بعد التغيير، وليس الكلام فيه، إنما الكلام في الجزء الأصلي السالم من التغيير، والله أعلم قال:

وأولُ نُطْق المرءِ حرفٌ محركٌفإنء يأتِ ثانٍ قيل ذا سببٌ بدَا
خفيفٌ متى يسكنْ وإلا فضُّدهُوقُلْ وتدٌ إنْ زدتَ حرفاً بلا امتِرا

أقول: قد عرفت أن الأجزاء التي يزن بها العروضيون مركبة من السبب والوتد، فشرع الناظم في الكلام عليهما أولاً، ثم على الأجزاء ثانياً.

ومن المعلوم أن الحرف الذي ينطق به أولاً لا بد أن يكون متحركاً ضرورة أن الابتداء بالساكن متعذر، فإذا ابتدأ الناطق بحرف فهو متحرك، ثم إذا أضاف إليه حرفاً ثانياً فمجموعها يسمى عندهم سبباً. لكن إن كان ذلك الحرف الثاني ساكناً فهذا السبب هو السبب المسمى بالسبب الخفيف لخفته بسكون آخره، وإن كان ذلك الحرف الثاني متحركاً فهو السبب الثقيل وهو المراد بقوله (وإلا فضده)، أي وإلا يسكن الثاني فهو ضد الخفيف، أي ثقيل، سمي بذلك لثقله بحركة آخره. فإن زاد الناطق حرفاً ثالثاً فمجموع تلك الأحرف الثلاثة يسمى وتداً.

وليس المراد أن الوتد عين السبب بزيادة حرف عليه، وإنما المراد أن الناطق متى أتى بحرف محرك ثم بحرفين بعده فذلك هو الوتد. وإنما خصوا الثنائي بلفظ السبب، والثلاثي بلفظ الوتد، لأن الثنائي رأوه معرضاً للزحاف والتغيير، فلا يكاد يثبت على حالة فشبهوه بالحبل الذي يقطع مرةً ويوصل آخرى، والحبل يسمى سبباً، والثلاثي غير معرض للزحاف وإن عرضت له علة دامت، فشبهوه بالوتد الثابت في الأحوال كلها قال:

وسمِّ بمجموعٍ فعلْ وبضدِّهكفعلَ ومن جنسيهما الجُزء قد أتَى
خماسيةُ قل والسباعيّ ثم لايفوتُك تركيباً وسوف إذنْ تَرَى
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: قد سبق أن الناطق إذا نطق بثلاثة أحرف أولها متحرك سمي مجموعها وتدا، لكن إن كان الحرف الثاني متحركاً والثالث ساكناً مثل فعل بتحريك العين وإسكان اللام سمي وتداً مجموعاً، للجمع بين متحركيه، وإن كان الثاني ساكناً والثالث متحركاً مثل فعل بتسكين العين وتحريك اللام سمي وتداً مفروقاً، لفرق الساكن بين متحركيه، وهو معنى قول الناظم (وبضده كفعل) أي وسم بضد المجموع، وهو المفروق، ما كان مماثلاً لفعل.

ويقع في عبارة كثير من القوم ومنهم الشارح الشريف: (الوتد المجموع حرفان متحركان بعدهما ساكن، والوتد المفروق حرفان متحركان بينهما ساكن). ولا أراها موفية بالمقصود، بل هي فاسدة لأن مقتضاها أن يكون كل م الوتدين عبارة عن حرفين، وهو باطل، فإن قلت: قولهم (بعدهما ساكن) أو (بينهما ساكن) وقع صفةً للحرفين المتحركين، ولا يلزم من تقييدهما بهذه الصفة دخول متعلقهما مع الموصوف في الإخبار عن المسند إليه الذي هو قولهم الوتد المجموع أو المفروق.

فإن قلت: اجعله على حذف حرف العطف، أي وبعدهما ساكن أو وبينهما، فيلزم أن يكون المخبر به عن الوتد ثلاثة ضرورة وجود حرف العطف المشترك.

قلت: مثله لا يجوز في السعة على ما هو مقرر في النحو.

وضمير الاثنين في قول الناظم (ومن جنسيهما) عائد على السبب والوتد، أي أن الجزء من حيث هو أعم من أن يكون خماسياً أو سباعياً أتى من جنسي السبب والوتد، أي تركب منهما، فلا يخلو منهما جزء من أجزاء التفاعيل الأصلية كما تراه.

ولا ينبغي أن يكون قوله (خماسية) فاعلاً لقوله (أتى) لما يلزم عليه من عيب التضمين، وإنما يجعل فاعل (أتى) ضميراً يعود على الجزء، ويكون (خماسية) فاعلاً بفعل محذوف يدل عليه الملفوظ به، أي أتى خماسية.

وقوله (ثم لا يفوتك تركيباً) أي إذا عرفت الأسباب والأةتاد، وتقرر عندك أن الجزء مركب منهما، خماسياً كان أو سباعياً، فلا يفوتك بعد هذا تركيبه، وكيفية العمل فيه، وسوف ترى ذلك عند تعداد الأجزاء، وفاعل (يفوتك) ضمير يعود على الجزء و (تركيباً) منصوب على التمييز عن الجملة، وهو فاعل في الأصل على ما هو معهود في نظائره، نحو تصبب زيد عرقاً. قال:

فعولن مفاعيلن مفاعلتن وفاع لاتن أصول الست فالعشر ماحوى
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»
أصابتْ بسهميهما جوارحنا فداراكوني بهمَّة كوقعيهما سوا
فما زائرتي فيهما حَجَبَتهُماولايدُ طولا هنّ يعتادُها الوفا

أقول: اختار العروضيون للأجزاء الدائرة بينهم في وزن الشعر الفاء والعين واللام اقتفاءً لأهل الصرف في عادتهم وزن الأصول بهذه الحروف، فحذوا حذوهم في مطلق الوزن بها لما كان على ثلاثة أحرف مع قطع النظر عن الأصالة والزيادة، وأضافوا إلى ذلك من الحروف الزوائد سبعةً وهي الألف والياء والواو والسين والتاء والنون والميم.

ويجمع هذه الأحرف قولك (لمعت سيوفنا). وتسمى عندهم بأحرف التقطيع. وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطى:

ومليحٍ علمَ الخليل يعانِىليته لو غدا خليلَ خليعِ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
رمتُ وصْلاً منه فقال لحاظِىناطقاتٌ بأحرف التقطيعِ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

إذا عرفت ذلك فالأجزاء الموضوعة في الأصل سالمةً من التغييرات الطارئة عشرة في التحقيق، وثمانية في اللفظ. وقسمها الناظم تبعاً لجماعة من العروضيين إلى أصول وفروع، فالأصول منها أربعة والفروع ستة.

الأصل الأول (فعولن) وهو مركب من وتد مجموع فسبب خفيف، وله فرع واحد وهو فاعلن. وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب على الوتد فتقول (لن فعو) فيحدث الفرع المذكور وهو فاعلن.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون فاعلن مركباً من وتد مفروق وهو (فاع) فسبب خفيف وهو (لن) فلا يكون على هذا التقدير فرعا عن هذا الأصل كما ادعوه؟ قلت (فاعلن) حيث وقع يجوز حذف ألفه زحافا، وهو المسمى عندهم بالخبن، فلزم أن يكون ثاني وتد مفروق كما توهمته لامتنع حذفه، لأن ثاني الوتد لا يزاحف.

وأجاب المحلى عن ذلك بأن (فا) خلف عن (لن) (وعلن) خلف عن (فعو)، وإنما يخلف الشيء مثله، فيلزم على هذا السياق أن يكون (فا) سبباً خفيفاً (وعلن) وتداً مجموعاً، فصح التفريع. قلت: هذا كما تراه تكريراً لعين الدعوى لا جواب عن إشكال المعترض فتأمله.

الأصل الثاني (مفاعيلن) وهو مركب من وتد مجموع فسببين حفيفين، ويتفرع عنه جزآن، أحدهما (مستفعلن) المجموع الوتد، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السببين معاً على الوتد، فتقول (عيلن مفا) فيحدث عنه هذا الفرع.

وثانيهما (فاعلاتن) المجموع الوتد أيضاً، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب الأخير على الوتد فتقول (لن مفاعى) فيحدث الفرع المذكور.

الأصل الثالث (مفاعلتن) وهو مركب من وتد مجموع فسبب (ثقيل) فسبب، وله فرع واحد مستعمل وهو (متفاعلن) وصفة تفريعه عنه أن تقدم السببين بحالهما على الوتد فتقول (علتن مفا) فيحدث هذا الفرع.

وله فرع آخر مهمل لم تنظم العرب عليه شيئاً، وذلك بأن تقدم السبب الخفيف خاصة فتقول (تن مفاعل) فيصير الوتد المجموع مكتنفا بسببين خفيف مقدم وثقيل مؤخر. ويعبر العروضيون عن هذا الفرع المهمل (بفاعلاتك). وسيأتي الكلام عليه وعلى سبب إهماله إن شاء الله تعالى.

الأصل الرابع (فاع لاتن) المفروق الوتد، وهو مركب من وتد مفروق فسببين خفيفين، وكثير يفصل العين عن اللام في الكتابة إيذانا للناظر فيه من أول الأمر بأن وتده مفروق، وليحصل الفرق بينه وبين (فاعلاتن) المجموع الوتد خطا.

وله فرعان أحدهما (مفعولات)، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السببين الخفيفين معاً على الوتد، فتقول (لاتن فاع) فيحث هذا الفرع. وثانيهما (مستفع لن) المفروق الوتد، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب الأخير على الوتد فتقول (تن فاع لا) فيحدث هذا الفرع.

وإنما جعل الجماعة هذه الأربعة أصولاً لأن الأسباب لضعفها إنما تعتهد على الأوتاد، وما يكون معتمداً عليه حقيق بالتقدم ليعتمد ما بعده عليه.

فكانت قضية البناء على هذا الأصل أن تكون أصول التفاعيل هي هذه الأجزاء الأربعة فقط، لأنه شيء من الأجزاء مصدراً بوتد غيرها.

فإن قلت: فما وجه ترتيب الأصول على هذا النمط المسرود؟ قلت الخماسي أخف من السباعي فاقتضى ذلك تقديم (فعولن) والسبب الخفيف بالنسبة إلى الثقيل مقدم عليه لخفته فاقتضى ذلك أن يقدم (مفاعلين) من السباعية على (مفاعلتن)، ثم الوتد المجموع أقوى من المفروق فاقتضى ذلك تقديم (مفاعلتن) على (فاع لا تن) المفروق الوتد.

واعلم أن الناظم ﵀ لفظ بصيغ الأصول الأربعة وقال إنها أصول للفروع الستة، وترك التلفظ بصيغ الفروع اتكالاً على اشتهارها، أو على توقيف المعلم للناظر في كتابه. وأشار إلى أن الأجزاء العشرة محويةٌ في البيتين الأخيرين من هذه الأبيات الثلاثة التي أنشدناها.

فقوله ((أصابت)) وزنه فعولن أشار به إلى الأصل الخماسي، وبالألف إلى أنه الأول.

وقوله ((بسهميها)) وزنه ((مفاعيلن)) أشار به إلى هذا الأصل الموازن له من السباعية، وأشار بالباء إلى ثاني الأجزاء.

وقوله ((جوارحنا)) وزنه ((مفاعلتن)) أشار به إلى هذا الجزء السباعي الموازن له وأشار بالجيم إلى أنه الجزء الثالث.

وقوله ((داركوني)) وزنه ((فاع لاتن)) ويجب أن يكون هذا مفروق الوتد لأنه بصدد تعداد الأجزاء على الترتيب، وسياقه مقتضٍ لتقديم الأصول، ((وفاع لاتن)) الأصلي مفروق الوتد كما سبق. وأشار بالدال إلى أنه الجزء الرابع.

وقوله ((همة)) وزنه ((فاعلن))، ومن هنا أخذ في تعداد الفروع وهذا فرع ((فعولن)) الأصل الأول، وأشار بالهاء إلى أنه خامس الأجزاء.

وقوله ((وقعيهما)) وزنه ((مستفعلن)) وهذا فرع عن الأصل الثاني وهو ((مفاعيلن))، فيجب أن يكون مجموع الوتد كأصله، والواو إشارة إلى أنه سادس الأجزاء.

وقوله ((زائراتي)) وزنه ((فاعلاتن))، وهو الفرع الثاني المفرع عن ((مفاعيلن))، فيلزم أن يكون وتده مجموعا مثل أصله كما سبق، والزاي إشارة إلى أنه الجزء السابع.

وقوله ((حجبتهما)) وزنه ((متفاعلن)) وهو فرع الأصل الثالث الذي هو مفاعلتن))، وأشار بالحاء إلى أنه الجزء الثامن.

وقوله ((طولاهن)) وزنه ((مفعولات))، وهو الفرع الأول من فرعي الأصل الرابع ((فاع لاتن)) المفروق الوتد، والطاء إشارة إلى أنه الجزء التاسع.

وقوله ((يعتادها)) وزنه ((مستفع لن))، وهذا هو ثاني فرعي ((فاع لاتن)) المفروق الوتد، فيلزم أن يكون هذا، أعني ((مستفع لن)) المذكور، مفروق الوتد كأصله، والياء إشارة إلى أنه الجزء العاشر.

فإن قلت: حذف الناظم التاء من الست والعشر مع أن المعدود مذكر وهو الأجزاء، قلت إما أن يكون أنث العدد بتأويل الكلمات، أو رأى المعدود محذوفاً فأنث العدد بناء على جوازه عند حذف المميز المذكر. حكى الكسائي عن أبي الجراح صمنا من الشهر خمساً. وحكى الفراء أفطرنا خمساً، وصمنا خمساً، وصمنا عشراً من رمضان. وتضافرت الروايات على حذف التاء من قوله ﷺ (ثم أتبعه بست من شوال).

وبهذا يطهر ضعف قولهم: ما حكاه الكسائي لا يصح من فصيح ولا يلتفت إليه، فلعل الناظم اعتمد على هذا النقل، وإن كان المشهور عندهم خلافه.

فإن قلت: ما هو فاعل (حوى) ؟ قلت جوز فيه الشريف وجهين: أن يكون ضميراً مستتراً يعود على التركيب، يريد أن التركيب الذي تصير الأمتاد والأسباب يحتوي على عشرة أجزاء، ولا يخفى بعده. قال: (والظاهر أن فاعل (حوى) إنما هو البيتان اللذان بعده)، يريد أن العشر هي ما حواه هذان البيتان من الأمثلة المرموزة فيهما، وهما قوله (أصابت بسهميهما) والبيت بعده. انتهى.

فإن قلت: يلزم عليه وقوع الجملة فاعلاً وهو باطل عندهم على المختار، قلت الجملة التي يرا بها لفظها تتنزل منزلة الأسماء المفردة، وهنا كذلك.

فإن قلت: سبق أن (مفاعلتن) يتفرع عنه جزء مهمل وهو (فاعلاتك) والناظم لم ينبه على ذلك، فمن أين يفهم من كلامه أن هذا هو المهمل؟ قلت أجاب عنه الشريف: بأن هذا الجزء الذي عد مهملاً ينبغي أن لا يعتد به في الفك لأن السبب الثقيل لا يفارق الخفيف فهما معاً كالصوت الواحد، ولذلك يسميهما العروضيون فاصلة، فلولا أن مجموعها عندهم شيء واحد أم كالشيء الواحد لما وضعوا لهما معاً اسماً كما وضعوا الوتد والسبب، فجعلوا بإزاء الصوت الواحد اسماً وضعوه له، فإذا تبين أن الثقيل والخفيف شيء واحد اقتضى ذلك أن (مفاعلتن) لا ينفك منه إلا جزء واحد، لأن الصوت الواحد لا يتبعض عند الفك فلا تتبعض الفاصلة كما لا يتبعض الوتد، وكما لا يتبعض السبب.

فإذا نظرت إلى حقيقة الفك ووقفت مع قول الناظم إن الأجزاء عشر، فتبينت الأجزاء الأربعة التي هي أم لسائر الأجزاء وأصول لها، وتأملت كيفية الفك فاقتضت أن تكون الأجزاء أحد عشر، علمت أن الساقط منها إنما هو ما يؤدي فكه إلى ممتنع، وأن ذلك هو فصل الثقيل من الخفيف المؤدي إلى تبعيض الفاصلة.

قلت: أطال ﵀ فيما هو غني عنه، وذلك لأن الناظم أتى لكل جزء من الأجزاء العشرة بلفظ موازن له وصدره بحرف من حروف أبجد يدل على مرتبته في العدد، ولما لم يذكر لفظاً يوازن الجزء المهمل علم أن ما يفك خارجاً عن الفروع الستة ليس مما يوزن به عندهم، ولا شيء يفك زائداً على الستة غير (فاعلاتك) المتفرع عن (مفاعلتن)، فثبت أنه المهمل، إذ لا حاجة في تبيين إحالته إلى الطريقة التي ذكرها الشريف.

واستدلاله على أن المجموع من السبب الثقيل والخفيف شيء واحد، أو كالشيء الواحد، لا تفرق أجزاؤه بتسميتهم له فاصلةً غير متسبب، لجواز أن يكون المقصود بالتسمية الاختصار في اللفظ، إذ الفاصلة أخصر من قولهم سبب ثقيل فسبب خفيف، ويؤنس ذلك تسميتهم لفعلتن المخبول فاصلةً، وليس السبب في ذلك كون أجزائها كالصوت الواحد قطعاً، فكذا الفاصلة الصغرى.

وإنما أوقع الشريف ﵀ فيما ادعاه توهمه أن الألفاظ المصدرة بحروف الرمز لم يؤت بها إلا لأجل الإشارة بما صدرت به من الحروف إلى مراتب الأجزاء فقط، وليس كذلك، بل أريد بها مع ذلك ما أسلفناه فتأمل.

(تنبيه) هذه الأجزاء تسمى بالأركان والأمثلة والأوزان والأفاعيل والتفاعيل.

وقد رأيت مرةً بالقاهرة في سنة خمس وتسعين وسبعمائة بخط قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل الكناني الحنفي رحمه اله على ظهر كراسة: تفاعيل الشعر ثمانية، وعدها، فكتب تحته بعض الأدباء بالديار المصرية ما مثاله أخطأت أيها القاضي لأن التفاعيل جمع تفعال أو تفعول أو تفعيل، وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض، فإن أجزاءه منحصرة ليس فيها شيء من هذه. فأخبرت القاضي ﵀ أن هذا الكلام خطأ، وذكرت له أن الكاتب مسبوق بهذا الاعتراض، سبقه به الشيخ أبو حيان ولا شك أنه أخذه منه، لأني رأيت هذا بعينه في نسخ من تفسير أبي حيان كتبها هذا المعترض بخطه.

فسألني القاضي ﵀ الكلام على ذلك فكتبت وهأنذا أورد هنا ما كتبته من ذلك وإن كان فيه طول قصداً لتكثير الفائدة فأقول: اختلف في التوابع الواقعة في قوله تعالى: (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب)، هل هي كلها نعوت أو كلها أبدال, أو (شديد العقاب) بدل وما عداه نعت، وهذا الأخير هو مذهب الزجاج، حكاه عنه صاحب الكشاف ونقله الشيخ في تفسيره المسمى (بالبحر المحيط) وفي (النهر) أيضاً قائلاً إلا أن الزمخشرى قال: جعل الزجاج (شديد العقاب) وحده بدلاً من بين الصفات فيه نبو ظاهر، والوجه يقال: لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن فهي محكوم عليها أنها من الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على (متفاعلن) كانت من الكامل. انتهى.

وقد ناقشه الشيخ فقال: ولا نبو في ذلك لأن الجري على القواعد التي استقرت وصحت هو الأصل. وقوله فقد آذنت بأن كلها أبدال تركيب غير عربي، لأنه جعل (فقد آذنت) جواب (لما) وليس في كلامهم: لما قام زيد فقد قام عمرو. وقوله (بأن كلها أبدال) فيه تكرير الأبدال. أما بدل البداء فقد تكررت فيه الأبدال، وأما بدل كل من كل، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال، فلا نص عن أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه، إلا أن في كلامه بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يتكرر، وذلك في قول الشاعر:

بأبي ابنُ أمِّ إياسَ أرحلُ ناقتيعمروٍ فتبلغُ حاجتي أو تُزحفُ
ملكٍ إذا نزل الوفودُ ببابهعرفوا مواردَ مُزبدٍ لا يُنزَفُ

قال: (فملك) بدل من (عمرو)، بدل نكرة من معرفة. قال: فإن قلت لم لا يكون بدلاً من (ابن أم إياس) قلت: لأنه قد أبدل منه (عمراً) فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح.

قال الشيخ فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على أن البدل من البدل جائز، قال: وقوله: (تفاعيلها هو جمع تفعال أو تفعول أو تفعول أو تفعيل وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض فإن أجزاءه منحصرة ليس فيها شيء من هذه الأوزان)، فصوابه أن يقول: أجزاؤها كلها على مستفعلن. انتهى كلام أبي حيان.

وقد ساق تلميذه الشيخ شهاب الدين السمين هذا الفصل برمته في إعرابه، وأقره على حاله كأنه من قبيل المرتضى عنده. والذي يظهر أن جميع هذه المناقشات غير سديدة.

أما الأولى فحاصلها نفي الاستبعاد لمقالة الزجاج بناءً على أنها جارية على الأصول. وتقرير جريانها على ذلك أن توافق النعت الحقيقي ومنعوته في واحد من التعريف والتنكير أمر لازم إما اتفاقاً أو عند الأكثرين، وأن التوافق في ذلك لا يلزم إذا كان التابع بدلاً. فجعل الصفات المعرفة الواقعة في هذه الآية نعوتاً للاسم الشريف جار على القاعدة المتقدمة، وكذا جعل الصفة التي إضافتها غير محضة بدلاً جار على ما سبق من قاعدة البدل. فإذن لا خروج لما قاله الزجاج في كلا الوجهين عما استقر في قواعد كلامهم، فلا نبو فيه.

وأقول: هو وإن جرى على هذه القاعدة فقد خالف قاعدةً أخرى، وهي أنه متى اجتمع بدل ونعت قدم النعت لأنه كالجزء من متبوعه وأخر البدل لأنه تابع كلا تابع، من حيث أنه كالمستقل بمقتضى العامل. ولا خفاء بأنه إذا جعل (شديد العقاب) بدلاً (وذي الطول) الواقع بعده صفةً لزم مخالفة القاعدة المذكورة، مع أنه قد تقدم هذا البدل صفة أخرى، فصار مكتنفاً بصفتين فلزم إدخال ما هو كالأجنبي بين شيئين هما كالجزئين لما قبلهما، وذلك غير مناسب، فظهر النبو باعتبار ذلك.

فإن قلت: إنما لزم هذا حيث جعل قوله (ذي الطول) نعتاً، وليس في كلام أبي حيان ما يقتضيه فلم لا يعرب بدلاً فلا يلزم هذا المحذورظ قلت الكلام في عبارة الزمخشرى التي تعقبها أبو حيان. ومقتضى قوله في الكشاف أن الزجاج جعله بدلاً بين الصفات لا يكون (ذي الطول) بدلاً، إذ لو كان لم يقطع (شديد العقاب) بين الصفات بل بعدها وهو واضح.

وأما المناقشة الثانية وهي تلحين الزمخشرى في قوله: (لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فقد آذنت بأن كلها أبدال)، وتقريرها ظاهر من كلام الشيخ فجوابها م ثلاثة أوجه:

الأول: أن مبنى هذا الاعتراض على منع دخول الفاء على جواب لما وهو ممنوع. فقد نص ابن مالك على جوازه مستدلاً بقول الله تعالى: (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد)، فإن قلت لا دليل له في هذه الآية لاحتمال أن يكون الجواب فيها محذوفاً، كما قيل تقديره: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد، أي ومنهم غير ذلك، قلت: هو احتمال مرجوح، والظاهر خلافه، فقد ورد جواب لما مقترناً بإذا الفجائية وروداً شائعاً. قال الله تعالى: (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون)، وقال تعالى: (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق)، وقال تعالى: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)، وفيه دليل على أن جواب لما يجوز أن يكون جملةً اسميةً، وإذا جاز ذلك فأي داع إلى ارتكاب الحذف في الآية التي أوردها ابن مالك مع أنه على خلاف الأصل؟ والفاء وإذا الفجائية أختان في ربط الجواب بالشرط، فإذا ربط بإحداهما في تركيب جاز أن يربط بالأخرى، ولا فرق. فإذن الظاهر ما قاله ابن مالك من أن الجواب في الآية التي استدل بها هو الجملة الاسمية، وأن الفاء رابطة الجواب.

فإن قلت: هذا في الجملة الاسمية، فأين وقوعه في الفعلية؟ قلت: يدل عليه قول الشاعر:

لما اتقى بيدٍ عظيمٍ جرمُهافتركتُ ضاحي جلدهِا يتذبذبُ

لكن ابن هشام صرح في المغنى بأنها فيه زائدة. وعليه فلا يكون البيت شاهداً على المدعي.

الثاني: سلمنا امتناع دخول الفاء على جواب لما، لكن لا نسلم أن الجواب في كلام الزمخشرى مذكور حتى يلزم ما قاله أبو حيان، وإنما هو محذوف، تقدير الكلام معه: لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها نبا هذا القول عن الصواب، فقد آذنت هذه المصادفة بأن جميع تلك التوابع أبدال غير أوصاف، ويدل على هذا الجواب المحذوف قوله فيما سبق (فيه نبو ظاهر)، وقد نص غير واحد على جواز الحذف في ذلك عند قيام الدليل فلم لا يكون هذا منه.

الثالث: سلمنا أن جواب لما لا يقترن بالفاء، وأنه في عبارة الزمخشرى مذكور لا محذوف، لكنا لا نسلم أن مجموع قوله (فقد آذنت) جواب، وإنما الجواب هو قوله آذنت، وأما (قد) فهي هنا اسم بمعنى (حسب)، والفاء الداخلة عليها كالفاء الداخلة على قط في قولك (افعل هذا فقط). أي لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فحسب آذنت هذه المصادفة بما قلناه من دعوى البدلية في جميع التوابع. والشيخ أبو حيان فهم أن (قد) حرف داخل على الفعل، مثله في قولك (قد قام زيد)، فسارع إلى تلحين الزمخشرى ذهولاً عما قلناه، والله الموفق لا رب غيره.

وأما المناقشة الثالثة وهي ما لزم على كونها أبدالاً من تكرير البدل وهو ليس بدل البداء فليست بذاك، فالشيخ قد أقر على نفسه بعدم الاطلاع على نص في المسألة إلا من جهة كلام حكاه عن بعض أصحابه، ولم يسمه، ولا يلزم من عدم عرفانه بالجواز عدم الجواز في نفسه، فالزمخشرى إمام في هذا الفن، ثبت في النقل. وقد نص غير واحد من المعربين في قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين)، على جواز إعراب التوابع أبدالاً مع أنها ليست بأبدال بداء قطعاً ففيه دليل على جواز ما أجازه الزمخشرى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.