من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
حرف الواو
قولهم: «وافق شنّ طبقة» قال الشرقىّ بن القطامىّ: كان رجل من دعاة العرب وعقلائهم يقال له: شنّ، فآلى أنه يطوف البلاد حتى يجد امرأة مثله فيتزوّجها، فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق فسارا جميعا، فقال له شنّ: أتحملنى أم أحملك؟ فقال: أنا راكب وأنت راكب، فكيف تحملنى أو أحملك؟! ثم سارا فانتهيا إلى زرع قد استحصد، فقال شنّ: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال: لم أر أجهل منك، نبتا مستحصدا فتقول: أكل أم لا! فسكت؛ ثم سارا حتى دخلا القرية فلقيا جنازة، فقال شنّ: أترى صاحب هذا النعش حيّا أم ميّتا؟ فقال له الرجل:
ترى جنازة تسأل عنها أميّت صاحبها أم حىّ! فسكت عنه شنّ وأراد مفارقته فأبى أن يتركه وسار به إلى منزله، وكان للرجل بنت يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه، فقال: ما رأيت أجهل منه، وحدّثها بحديثه، فقالت: يا أبت ما هذا بجاهل! قوله: أتحملنى أو أحملك؟ أراد أتحدّثنى أم أحدّثك، وأما قوله:
أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا؟ وأما الجنازة فأراد هل ترك عقبا يحيا بهم ذكره أم لا؟ فخرج الرجل فقعد مع شنّ فحادثه، وقال له:
أتحب أن أفسر لك ما سألتنى؟ قال نعم، ففسره، فقال شنّ: ما هذا من كلامك، فأخبرنى من صاحبه؟ فقال: ابنة لى، فخطبها إليه فزوّجه إياها وحملها إلى أهله، فلما رأوها قالوا: وافق شنّ طبقة، فذهبت مثلا: يضرب للمتوافقين؛
وقال الاصمعىّ: هم قوم كان لهم وعاء من أدم فتشنّن فجعلوا له طبقا فوافقه فقيل:
وافق شنّ طبقه، ورواه أبو عبيدة في كتابه، وقال ابن الكلبىّ: طبقة: قبيلة من إياد كانت لا تطاق فأوقعت بها شنّ بن أفصى بن دعمىّ فانتصفت منها وأصابت فيها فضربتا مثلا وأنشد
لقيت شنّ إيادا بالقناطبقا، وافق شنّ طبقه
وقولهم: «وجدت الناس اخبر تقله» أصله اخبر الناس تقلهم: يضرب فى ذمّ الناس وسوء معاشرتهم.
وقولهم: «ولود الوعد عاقر الإنجاز»: يضرب لمن يكثر وعده ويقلّ نقده.
وقولهم: «ودّع مالا مودعه» لأنه إذا استودعه غيره فقد ودّعه وغرّر به ولعله لا يرجع اليه.
وقولهم: «ومورد الجهل وبىء المنهل»: يضرب في النّهى عن استعمال الجهل.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع