من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في الإعطاء قبل السؤال
قال سعيد بن العاصى: قبح الله المعروف، اذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فما المعروف عوض من مسألة الرجل، اذا بذل وجهه، فقلبه خائف، وفرائصه ترعد، وجبينه يرشح، لا يدرى ايرجع بنجح الطلب أم بسوء المنقلب، قد بات ليلته
يتململ على فراشه، يعاقب بين شقّيه، مرّة هكذا، ومرّة هكذا، من لحاجته؟ فخطرت بباله أنا أو غيرى، فمثّل أرجاهم في نفسه، وأقربهم من حاجته، ثم عزم علىّ، وترك غيرى، قد انتقع لونه، ودهب دم وجهه، فلو خرجت له مما أملك لم أكافئه، وهو على أمن منّى عليه، اللهم فإن كانت الدنيا لها عندى حظّ فلا تجعل لى حظّا في الآخرة.
وقال أكثم بن صيفىّ: كلّ سؤال وإن قلّ، أكثر من كلّ نوال وإن جلّ.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه لأصحابه: من كانت له إلىّ منكم حاجة، فليرفعها في كتاب، لأصون وجوهكم عن المسألة.
وقال عبد العزيز بن مروان: ما تأمّلنى رجل قط، إلا سألته عن حاجته، ثم كنت من ورائها.
وقال حبيب
عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنىوتبقى وجوه الراغبين بمائها
وقال أيضا
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلتمن ماء وجهى إذا أفنيته عوض
وقالوا: من بذل اليك وجهه، فقد وفّاك حقّ نعمته.
وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما الجود؟ فقال: التّبرع بالمال، والعطاء قبل السؤال.
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه
كريم على العلّات جزل عطاؤهينيل وإن لم يعتمد لنوال
وما الجود من يعطى اذا ما سألتهولكنّ من يعطى بغير سؤال
وقال حبيب الطائىّ
لئن جحدتك ما أوليت من كرمإنى لفى اللؤم أمضى منك في الكرم
أنسى ابتسامك- والألوان كاسفة-تبسّم الصبح، فى داج من الظّلم
رددت رونق وجهى في صفيحتهردّ الصّقال صفاء الصارم الخذم
وما أبالى- وخير القول أصدقه-حقنت لى ماء وجهى أم حقنت دمى
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع