من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الشجاعة غريزة يضعها الله فيمن يشاء من عباده، إن الله يحبّ الشجاع ولو على قتل حيّة».
وقالوا: حدّ الشجاعة سعة الصدر بالإقدام على الأمور المتلفة.
وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جبلّة نفس أبيّة، قيل له: فما النجدة؟ قال:
ثقة النفس عند استرسالها الى الموت، حتى تحمد بفعلها دون خوف.
وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة. وقال بعض أهل التجارب:
الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل، فالفارس: الذى يشدّ اذا شدّوا، والشجاع:
الداعى الى البراز والمجيب داعيه، والبطل: الحامى لظهور القوم اذا ولّوا.
قال يعقوب بن السكّيت في كتاب الألفاظ: العرب تجعل الشجاعة في أربع طبقات، تقول: رجل شجاع، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: بطل، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: بهمة، فاذا كان فوق ذلك، قالوا: اليس.
وقال بعض الحكماء: جسم الحرب: الشجاعة، وقلبها: التدبير، ولسانها:
المكيدة، وجناحها: الطاعة، وقائدها: الرفق، وسائقها: النصر.
قالوا: لما ظفر المهلّب بن أبى صفرة بالخوارج، وجّه كعب بن معدان الى الحجّاج، فسأله عن بنى المهلّب، فقال: المغيرة فارسهم وسيّدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وشيخهم: قبيصة، ولا يستحيى الشجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك: سمّ ناقع، وحبيب: موت زعاف، ومحمد: ليث غاب، وكفاك بالمفضّل نجدة، قال: فكيف خلّفت جماعة الناس؟ قال: خلّفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلّب فيهم؟ قال:
كانوا حماة السّرح نهارا، فاذا أليلوا ففرسان البيات، قال: فأيّهم كان أنجد؟ قال:
كانوا كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوّكم؟
قال: كنّا اذا أخذنا، عفونا، واذا اجتهدوا، اجتهدنا فيهم، فقال الحجّاج: (إنّ العاقبة للمتّقين).
وقالوا: أشجع بيت قالته العرب قول العباس بن مرداس السلمىّ
أشدّ على الكتيبة لا أبالىأحتفى كان فيها أم سواها؟
وقد مدح الشعراء الشجاعة وأهلها، وأوسعوا في ذلك، فمن ذلك قول المتنبّى
شجاع كأنّ الحرب عاشقة لهاذا زارها فدّته بالخيل والرّجل
وقال أيضا
وكم رجال بلا أرض لكثرتهمتركت جمعهم أرضا بلا رجل
ما زال طرفك يجرى في دمائهمحتى مشى بك مشى الشارب الثمل
وقال العماد الإصفهانىّ
قوم إذا لبسوا الحديد الى الوغىلبس الحداد عدوّهم في المهرب
المصدرون الدّهم عن ورد الوغىشقرا تجلّل بالعجاج الأشهب
وقال أبو الفرج الببغاء
واليوم من غسق العجاجة ليلةوالكرّ يخرق سجفها الممدودا
وعلى الصّفاح من الكفاح وصدقهردع أحال بياضها توريدا
والطعن يغتصب الجياد شياتهاوالضرب يقدح في التليل وقودا
وعلى النفوس من الحمام طلائعوالخوف ينشد صبرها المفقودا
وأجلّ ما عند الفوارس حثّهافى طاعة الهرب الجياد القودا
حتى إذا ما فارق الرأى الهوىوغدا اليقين على الظنون شهيدا
لم يغن غير أبى شجاع والعلاعنه تناجى النصر والتأييدا
وقال أيضا وروى للبحترىّ
من كلّ متّسع الأخلاق مبتسمللخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق، إلا أنه فرسفى صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدر منه ليس لهظهر وهادى جواد ما له كفل
وقال البحترىّ
معشر أمسكت حلومهم الأرض وكادت لو لاهم أن تميدا
فإذا الجدب جاء كانوا غيوثاوإذا النقع ثار ثاروا أسودا
وكأنّ الإله قال لهم في الحرب كونوا حجارة أو حديدا
وقال مسلم
لو أنّ قوما يخلقون منيّةمن بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا حمى الوطيس لديهمجعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
وقال آخر
عقبان روع والسروج وكورهاوليوث حرب والقنا آجام
وبدور تمّ والشوائك في الوغىهالاتها والسابرىّ غمام
جادوا بممنوع التلاد وجوّدواضربا تخدّ به الطّلا والهام
وتجاورت أسيافهم وجيادهمفالأرض تمطر والسماء تغام
وقال آخر
قوم، شراب سيوفهم ورماحهمفى كلّ معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشركلّ لكلّ جسيم أمر كاف
يتحنّنون إلى لقاء عدوّهمكتحنّن الألّاف للألّاف
ويباشرون ظبا السيوف بأنفسأمضى وأقطع من ظبا الأسياف
وقال ابن حيّوس
إن ترد خبر حالهم عن قريبفأتهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع،خضر الأكناف حمر النصال
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع