من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما قيل في الصبر والإقدام
قال الله عزوجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
وقال رسول الله ﷺ: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ وسلوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا من ذكر الله وإن جلبوا وضجّوا فعليكم بالصمت».
ومن كلام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: ربّ حياة، سببها التعرّض للموت، وربّ منيّة، سبّبها طلب الحياة.
وقالوا: أجمع كلمة قيلت في الصبر قول بعضهم: الصبر مطيّة النصر.
وقال آخر: الصبر مطيّة لا تكبو، وإن عنف عليه الزمان.
وقال آخر: الصبر شرية، تثمر أرية.
وقيل للمهلّب بن أبى صفرة: إنك لتلقى نفسك في المهالك، فقال: إن لم آت الموت مسترسلا، أتانى مستعجلا، إنى لست آتى الموت من حبّه، وإنما آتيه من بغضه، وتمثّل بقول الحصين بن الحمام
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجدلنفسى حياة مثل أن أتقدّما
وهى قصيدة مشهورة منها
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدّما
نفلّق هاما من كرام أعزّةعلينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولما رأينا الصبر قد حيل دونهوإن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا، وكان الصبر منا سجيةبأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعىعمدت الى الأمر الذى كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بسبّةولا مرتق من خشية الموت سلّما
وقالت العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة. وكذلك: إن من يقتل مدبرا، أكثر ممن يقتل مقبلا.
وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه لخالد بن الوليد: احرص على الموت، توهب لك الحياة.
وقالت الحكماء: استقبال الموت، خير من استدباره.
وقال العلوىّ
محرّمة أكفال خيلى على القناودامية لبّاتها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبروتندقّ منها في الصدور صدورها
وقال أبو تمّام
قلّوا ولكنّهم طابوا فأنجدهمجيش من الصبر لا يحصى له عدد
اذا رأوا للمنايا عارضا لبسوامن اليقين دروعا مالها زرد
ناوا عن المصرح الأدنى فليس لهمإلا السيوف على أعدائهم مدد
وما زالت العرب يتمادحون بالموت قعصا، ويتسابّون بالموت على الفراش، ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه، وأوّل من قال ذلك رسول الله ﷺ.
ومدح أعرابىّ قوما فقال
يقتحمون الحرب كأنمايلقونها بنفوس أعدائهم
وقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب: إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفا ولكن قعصا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف، وقال السموءل بن عادياء
وما مات منا سيّد في فراشهولا ظلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّباة نفوسناوليست على غير الظّباة تسيل
وقال أيضا آخر
وإنا لتستحلى المنايا نفوسناونترك أخرى مرّة ما نذوقها
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم صفّين، وقد قيل له: أتقائل أهل الشام بالغداة، وتظهر بالعشىّ في إزار ورداء؟ فقال: أبا لموت تخوّفوننى؟ فو الله ما أبالى، أسقطت على الموت، أم سقط الموت علىّ؛ وقال لابنه الحسن: لا تدعونّ أحدا الى المبارزة، وإن دعيت اليها فأجب، فانّ الداعى اليها باغ، وللباغى مصرع. وقال رضى الله عنه
بقية السيف أنمى عددا
يريد أن السيف اذا أسرع في أهل بيت كثر عددهم ونمى.
وقال ابن عباس رضى الله عنه: عقمت النساء أن تأتى بمثل علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، لعهدى به يوم صفّين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة شرذمة من الناس، يحضّهم على القتال، حتى انتهى الىّ، وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بنى عبد المطّلب، فقال: يا معشر المسلمين، تجلببوا السكينة، وكلّموا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد، وكافحوا بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله ﷺ، عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الأعقاب، ونار في الحساب، وطيبوا على الحياة أنفسا، وسيروا الى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم، فاصبروا، فإن الشيطان راكب صعدته، قدّموا للوثبة رجلا، وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا، حتى يبلغ الحقّ أجله، والله معكم، ولن تترككم اعمالكم؛ ثم صدر عنا، وهو يقرأ (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ).
وكان معاوية بن أبى سفيان يتمثل يوم صفّين بهذه الأبيات
أبت لى شميتى وأبى بلائىوأخذى الحمد بالثمن الربيح
وإقدامى على المكروه نفسىوضربى هامة البطل المشيج
وقولى كلّما جشأت لنفسىمكانك تحمدى أو تستريحى
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمى بعد عن عرض صحيح
وقال قطرىّ بن الفجاءة أمير الخوارج
وقولى كلّما جشأت لنفسىمن الأبطال ويحك لا تراعى
فإنك لو سألت بقاء يومعلى الأجل الذى لك لم تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرافما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كلّ حىّوداعيه لأهل الأرض داعى
وقال عبد الله بن رواحة الأنصارىّ
يا نفس إن لم تقتلى تموتىإن تسلمى اليوم فلا تفوتى
أو تبتلى فطالما عوفيتهذى حياض الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد لقيتإن تفعلى فعلهما هديت
وإن تولّيت فقد شقيت
يريد بقوله
فإن تفعلى فعلهما هديت
فعل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب رضى الله عنهما؛ وكانا قتلا في ذلك اليوم بموته. وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، يخرج كلّ يوم بصفّين حتى يقف بين الصفين وينشد
من أىّ يومىّ من الموت أفرّيوم لا يقدر أم يوم قدر
فيوم لا يقدر لا أرهبهثمّ من المقدور لا ينجو الحذر
ومثله قول جرير من قصيدة أولها
هاج الفراق لقلبك المهتاج
منها
قل للجبان إذا تأخر سرجهما أنت من شرك المنية ناجى
وقالت امرأة من عبد القيس
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهمولم يبتغوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّةولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وقال حبيب بن أوس الطائىّ
فأثبت في مستنقع الموت رجلهوقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّهعليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
غدا غدوة والحمد نسج ردائهفلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتىلها الليل إلا وهى من سندس خضر
وقال
قوم اذا لبسوا الحديد حسبتهملم يحسبوا أن المنيّة تخلق
أنظر بحيث ترى السيوف لوامعاأبدا وفوق رءوسهم تتألّق
وقال الببغاء
يسعى الى الموت والقنا قصدوخيله بالرءوس تنتعل
كأنه واثق بأنّ لهعمرا مقيما وما له أجل
وقال كعب بن مالك
نصل السيوف اذا قصرن بخطوناقدما ونلحقها اذا لم تلحق
ومثله لبعض بنى قيس بن ثعلبة
لو كان في الألف منا واحد فدعوامن فارس؟ خالهم إياه يعنونا
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهمحدّ الظباة وصلناها بأيدينا
ومثله قول الآخر
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا الى أعدائنا فنقارب
ومثله قول ودّاك بن ثميل المازنىّ
مقاديم وصّالون في الرّوع خطوهمبكلّ رقيق الشّفرتين يمانى
اذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهملأية حرب أم بأىّ مكان
وقال أبو تمّام في سعة الخطو
خطو، ترى الصارم الهندىّ منتصرابه، من المازن الخطّىّ منتصفا
وقال آخر
كأنّ سيوفه صيغت عقوداتجول على الترائب والنحور
وسمر رماحه جعلت همومافما يخطرن إلا في ضمير
وأجود ما قاله محدّث في الصبر قول ابن الرومىّ
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهبفكيف اذا ما لم يكن عنه مذهب؟
هناك يحقّ الصبر، والصبر واجبوما كان منه كالضرورة أوجب
فشدّ امرؤ بالصبر كفّا فإنهله عصمة، أسبابها لا تقضّب
هو المهرب المنجى لمن أحدقت بهمكاره دهر ليس منهنّ مهرب
لبوس جمال جنّة من شماتةشفاء أسى يثنى به ويثوّب
فيا عجبا للشىء هذى خلالهوتارك ما فيه من الحظ أعجب
وقد يتظّنى الناس أن أساهموصبرهم فيهم طباع مركّب
فإنهما ليسا كشىء مصرّفيصرّفه ذو نكبة حين ينكب
فإن شاء أن يأسى أطاع له الأسىوإن شاء صبرا جاءه الصبر يجلب
وليسا كما ظنوهما بل كلاهمالكلّ لبيب مستطاع مسبّب
يصرّفه المختار منا فتارةيراد فيأتى، أو يزاد فيذهب
اذا احتجّ محتجّ على النفس لم تكدعلى قدر يمنى لها تتعتّب
وساعدها الصبر الجميل فأقبلتإليها له طوعا جنائب تجنب
وإن هو منّاها الأباطيل لم تزلتقاتل بالعتب القضاء وتغلب
فيضحى جزوعا إن أصابت مصيبةويمسى هلوعا إن تعذّر مطلب
فلا يعذرنّ التارك الصبر نفسهبأن قيل: إن الصبر لا يتكسّب
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع