تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل في وفور العقل

قال الله تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)

قال المفسرون: عبّر عن العقل بالقلب، لأنه محلّه وسكنه، وقال تعالى: (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)

، وقال تعالى: (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ).

وقال تعالى: (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ).

وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أوّل ما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتى وجلالى، ما خلقت خلقا أكرم على منك، بك آخذ، وبك أعطى، وبك أثيب، وبك أعاقب».

وعنه ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى قسم العقل على ثلاثة أقسام، فمن كنّ فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه جزء منها، فلا عقل له»، قيل: يا رسول الله، ما أجزاء العقل؟ قال: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله». وعنه ﷺ أنه قال: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدى صاحبه الى هدى، ويردّه عن ردّى، وما تمّ إيمان عبد ولا استقام دينه، حتى يكمل عقله».

وعن عمر رضى الله عنه أنه قال لتميم الدارىّ: ما السؤدد فيكم؟ قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله ﷺ كما سألتك، فقال كما قلت، ثمّ قال: سألت جبريل ما السؤدد؟ فقال: العقل.

وعن عايشة رضى الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، بأى شىء يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال بالعقل، قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم! فقال: «يا عايشة، وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل، فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون».

وعن سعيد بن المسيّب: أن عمرو أبىّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، من أعلم الناس؟ قال: العاقل، قالوا:

فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من طهرت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفّه، وعظمت منزلته؟ فقال ﵊: (وإن كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدّنيا والآخرة عند ربّك للمتّقين) إن العاقل هو التقىّ وإن كان في الدنيا خسيسا دنيا.

وورد في الأثر: «أنّ الله تعالى أنزل على آدم ﵇ العقل والدين والحياء، فاختار العقل، فقيل للدين والحياء: ارتفعا، قالا: لا، قال: أفعصيتما أمر ربّكما؟

قالا: ما عصينا أمر ربّنا، ولكنّا أمرنا أن نتبع العقل حيث كان».

وقال لقمان لابنه: إن غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة، حسن العقل، لأن العبد إذا حسن عقله، غطّى ذلك عيوبه، وأصلح مساويه، ورضى عنه خالقه، وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شرّه.

وقيل: مكتوب في حكمة آل داود ﵇: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شأنه.

وقال بعض الحكماء: كلّ شىء يعز اذا قلّ، والعقل كلّما كان أكثر كان أعز وأغلى، ولو بيع، لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله، وأوّل شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.

قال أبو عطاء السندىّ

فإن العقل ليس له اذا ماتذكّرت الفضائل من كفاء
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

وقالوا: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس بينهما حرون، فاذا كان قائد بلا سائق هلكت، وان كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، فاذا اجتمعا أجابت طوعا أوكرها.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.