تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأمّا ما ورد في القصب والأوتار

ويقال له التغيير، ويقال له القطقطة أيضا. ولا فرق بينه وبين الأوتار؛ إذ لم يوجد في إباحته وتحريمه أثر لا صحيح ولا سقيم؛ وإنما استباح المتقدّمون استماعه لأنه مما لم يرد الشرع بتحريمه، وكان أصله الإباحة.

وأمّا الأوتار، فالقول فيها القول في القصب، لم يرد الشرع بتحليلها ولا تحريمها.

قال: وكل ما أوردوه في التحريم فغير ثابت عن رسول الله ﷺ. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة سماعه. ومن الدليل على إباحته أن إبراهيم بن

سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتى بحلّه، وقد ضرب بالعود- وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى- ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، فكيف تسقط عدالة المستمع! ومكان يبالغ في هذا الأمر أتمّ مبالغة. وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح؛ وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار. والأئمة الذين رووا عنه أهل الحلّ والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا عنه بعد استماعهم غناءه وعلمهم أنه يبيحه، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدّث حديثا إلا بعد أن يغنّى على عود، وذلك أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه. قال: وهذا أمر لم يرد عن رسول الله ﷺ في تحليله ولا تحريمه نصّ يرجع إليه، فكان حكمه كحكم الإباحة. وإنما تركه من تركه من المتقدّمين تورّعا كما تركوا لبس اللّين وأكل الطّيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان؛ ومعلوم أن هذا كلّه حلال. وقد ترك رسول الله ﷺ أكل الضبّ وسئل عنه أحرام هو؟ قال: «لا ولكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه» وأكل على مائدته ﷺ. وقد روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أنه قال: إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شىء فاعلم أنه سنّة.

وقد روى عن محمد بن سيرين ﵀ أنّ رجلا قدم المدينة بجوار، فنزل على ابن عمر وفيهنّ جارية تضرب؛ فجاء رجل فساومه فلم يهو منهنّ شيئا. فقال:

انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا؛ فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهنّ عليه؛ فأمر جارية قال: خذى، فأخذت العود حتى ظنّ ابن عمر أنه قد نظر الى ذلك؛ فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، قال: فبايعه. ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى غبنت بسبعمائة درهم. فأتى

ابن عمر إلى ابن جعفر فقال: إنه قد غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإمّا أن تردّ عليه بيعه؛ فقال: بل نعطيها إياه. وهذه الحكاية ذكرها أبو محمد بن حزم واستدلّ بها على إباحته فقال: فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجدّ فلم ينه عنه، وقد سفر في بيع مغنّية كما ترى، ولو كان حراما ما استجاز ذلك أصلا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.