تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

منهم أبو دلف العجلىّ

هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بنى عجل بن لجيم بن مصعب بن علىّ بن بكر بن وائل. كان محلّه من الشجاعة وبعد الهمة وعلوّ المحلّ عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله.

قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وله صنعة حسنة. فمن جيّد صنعته قوله- والشعر له أيضا-:

بنفسى يا جنان وأنت منّىمكان الرّوح من جسد الجبان
ولو أنى أقول مكان نفسىخشيت عليك بادرة الزمان
لإقدامى إذا ما الخيل حامتوهاب كماتها حرّ الطّعان

قال: وكان أحمد بن أبى داود ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغنّى. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك! فستر المعتصم أحمد بن أبى داود في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّى ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبى داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد

قال: سوءة لهذا من فعل! أبعد [هذه] السنّ وهذا المحلّ تصنع بنفسك ما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر وقال: إنهم ليكرهونى على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة!.

قال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحبّ أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نيّة الفصد غدا وهو عندى. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا؛ فأعلمهم الواثق حصول أبى دلف عنده.

فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكلّ من كان عنده حتى تلقّوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبى دلف فقال: يا قاسم، غنّ أمير المؤمنين. فقال: صوتا بعينه أو ما اخترت؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنّى:

بان الخليط برامتين فودّعواأو كلّما اعتزموا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ غبتمقلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

فقال المعتصم: أحسن أحسن- ثلاثا- وشرب رطلا. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبّت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار.

قال: وكان أبو دلف جوادا ممدّحا. وفيه يقول علىّ بن جبلة من قصيدة بقول فيها:

ذاد ورد الغىّ عن صدرهوارعوى واللهو من وطره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ندمى أنّ الشباب مضىلم أبلّغه مدى أشره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
حسرت عنّى بشاشتهوذوى المحمود من ثمره
ودم أهدرت من رشألم يرد عقلا على هدره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

جاء منها:

دع جدا قحطان أو مضرفى يمانيه وفي مضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وامتدح من وائل رجلاعصر الآفاق من عصره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ومنها:

المنايا في مقانبهوالعطايا في ذرا حجره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ملك تندى أناملهكانبلاج النّوء عن مطره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
مستهلّ عن مواهبهكابتسام الرّوض عن زهره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ومنها:

إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منه مكرمةيكتسيها يوم مفتخره

وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علىّ بن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه.

وقوله فيه:

أنت الذى تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر من حال إلى حال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلّا قضيت بأرزاق وآجال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تزورّ سخطا فتضحى البيض ضاحكةوتستهل فتبكى أعين المال

وكان سبب مدح علىّ بن جبلة أبا دلف بقوله:

إنما الدنيا أبو دلف

ما رواه أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن علىّ بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من برّى وإكرامى والتحفّى بى أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء، فبعث إلىّ معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّى، وأظنّك قد استقللت برّى، فلا يغضبنك ذلك فإنى سأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعنى إلا الإفراط في البرّ، وكتبت إليه:

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
ولكننى لمّا أتيتك زائرافأفرطت في برّى عجزت عن الشكر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فم الآن لا آتيك إلّا مسلّماأزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فإن زدتنى برّا تزايدت جفوةولم تلقنى طول الحياة إلى الحشر

فلما قرأها معقل استحسنها وقال: أحسنت والله! أمّا إن الأمير يعجبه هذا من المعانى. فلما أوصلها إلى أبى دلف قال: قاتله الله! ما أشعره وأرقّ معانيه! وأجابنى لوقته- وكان حسن البديهة حاضر الجواب-:

ألا ربّ طيف طارق قد بسطتهوآنسته قبل الضّيافة بالبشر
أتانى يرجّينى فما حال دونهودون القرى والعرف من نائلى سترى
وجدت له فضلا علىّ بقصدهإلىّ وبرّا زاد فيه على برّى
فزوّدته ما لا يدوم بقاؤهوزوّدنى مدحا يدوم على الدهر

قال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلىّ معه بألف دينار. فقلت حينئذ:

إنما الدنيا أبو دلف

الأبيات.

وروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: كنا عند أبى العبّاس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبى البخترىّ وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه،

وفتى من ولد أبى دلف البجلىّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبى البخترىّ:

أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هى؟ قال:

دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذى يشربون منه؛ فقال فيهم:

نبيذان في مجلس واحدلإيثار مثر على مقتر
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فلو كان فعلك ذا في الطعاملزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تفعل فعل الكرامصنعت صنيع أبى البخترى
تتّبع إخوانه في البلادفأغنى المقلّ عن المكثر

فبلغت الأبيات أبا البخترىّ فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت وقد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟

قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر من ثروة، فقالت له امرأته، افترض في الجند، فقال:

إليك عنّى فقد كلّفتنى شططاحمل السلاح وقول الدّارعين قف
تمشى المنايا إلى قوم فأكرههافكيف أمشى إليها عارى الكتف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرنىأو أنّ روحى في جنبى أبى دلف

فأحضره أبو دلف وقال: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: كم أمّلت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أمّلت وأمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبى دلف يتهلّل وانكسر ابن أبى البخترىّ. وهذه الأبيات رويت لابن أبى فنن.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.