تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الزّرافة

والزّرافة فى كلام العرب: الجماعة، وإنّما سمّيت الزّرافة زرافة لاجتماع صفات عدّة من الحيوان فيها، وهى عنق الجمل، وجلد النّمر، وقرن الظّبى، وأسنان البقر، ورأس الإيّل؛ وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّها متولّدة من حيوانات، ويقال: إنّ السبب فى ذلك اجتماع الوحوش والدوابّ فى القيظ فى شرائع المياه، فتسافد، فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فربّما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة، فتختلط مياهها، فيجىء فيها خلق مختلف الصّور والألوان والأشكال؛ والفرس تسمّى الزّرافة (اشتركا و پلنك) وتفسير (اشتر): بعير؛ وتفسير (كاو): بقرة؛ وتفسير (پلنك): الضبع؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركّبة الخلق من حيوانات شتّى؛ والجاحظ ينكر هذا القول، ويقول: هو جهل شديد، لا يصدر عمّن لديه تحصيل، لأنّ الله ﷿ يخلق ما يشاء على ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمر، وما يحقّق ذلك أنه يلد مثله؛ وهذا غير منكور، فإنّا نحن رأينا زرافة بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها، وعاشت إلى

الآن؛ وصفة الزّرافة أنّها طويلة اليدين والعنق جدّا، منها ما يزيد طوله على عشرة أذرع، قصيرة الرجلين جدّا، وليس لرجليها ركب، وإنّما الرّكب ليديها كسائر البهائم؛ وهى تجترّ وتبعر، وفى طبع هذا الحيوان التودّد للناس والتآلف بهم.

وقد وصفها الشعراء وشبّهوها فى أشعارهم، فمن ذلك ما قاله عبد الجبّار بن حمديس الصّقلّىّ:

ونوبيّة فى الخلق فيها خلائقمتى ما ترقّ العين فيها تسفّل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
اذا ما اسمها ألقاه فى السمع ذاكررأى الطّرف منها ما عناه بمقول
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
لها فخذا قرم وأظلاف قرهبوناظرتا رئم وهامة أيّل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية ٍ في الخلقِ منها خلائقٌ»
كأنّ الخطوط البيض والصفر أشبهتعلى جسمها ترصيع عاج بصندل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
ودائمة الإقعاء فى أصل خلقهااذا قابلت أدبارها عين مقبل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
تلفّت أحيانا بعين كحيلةوجيد على طول اللّواء المظلّل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
وتنفض رأسا فى الزّمام كأنّماتريك [ له فى الجوّ نفضة أجدل
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية في الخلق منها خلائق»
اذا طلع النّطح استجادت نطاحهبرأس] له هاد على السّحب معتلى
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ونوبية ٍ في الخلقِ منها خلائقٌ»
وعرف رقيق الشعر تحسب نبتهاذا الريح هزّته ذوائب سنبل
وتحسبها من مشيها إن تبخترتتزفّ الى بعل عروسا وتنجلى
فكم منشد قول امرئ القيس عندهاأفاطم مهلا بعض هذا التدلّل

وقال عمارة اليمنىّ- وقد وصف تصاوير دار منها زرافة-:

وبها زرافات كأنّ رقابهافى الطول ألوية تؤمّ العسكرا
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «ليست صفات علاك مما يمترى»
نوبيّة المنشا تريك من المهاروقا ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابهافتخالها للتيّه تمشى القهقرى
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «ليست صفات علاك مما يمترى»

وقال أبو علىّ بن رشيق منشدا:

ومجنونة أبدا لم تكنمذلّلة الظهر للراكب
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
قد اتصل الجيد من ظهرهابمثل السّنام بلا غارب
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ملمّعة مثلما لمّعتبحنّاء وشى يد الكاعب
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «وَمجنُونَة ٍ أَبَداً لَمْ تَكُنْ»
كأنّ الجوارى كنّفنهاتخلّج من كلّ ما جانب
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

وأتتك من كسب الملوك زرافةشتّى الصفات للونها أثناء
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
جمعت محاسن ما حكت فتناسبتفى خلقها وتنافت الأعضاء
تحتثّها بين الخوافق مشيةباد عليها الكبر والخيلاء
وتمدّ جيدا فى الهواء يزينهافكأنّه تحت اللّواء لواء
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
حطّت مآخرها وأشرف صدرهاحتّى كأنّ وقوفها إقعاء
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وكأن فهر الطّيب ما رجمت بهوجه الثّرى لو لمّت الأجزاء
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وتخيّرت دون الملابس حلّةعيّت بصنعة مثلها صنعاء
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
لونا كلون الذّبل إلّا أنّهحلّى وجزّع بعضه الجلّاء
أو كالسحاب المكفهرّة خطّطتفيها البروق وميضها إيماء
أو مثلما صدئت صفائح جوشنوجرى على حافاتهنّ جلاء
نعم التجافيف التى قد درّعتمن جلدها لو كان فيه وقاء

وقال محمد بن شرف القيروانىّ:

غريبة أشكال غريبة دارلها لون خطّى فضّة ونضار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
فلون لها لون البياض وصفرةكما مزجت بالماء كأس عقار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
وآخر ما بين اسوداد وحمرةكما احمرّ مسودّ الدخان بنار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
أعيرت شخوصا وهى فى شخص واحدتحيّر فى نشز لها وقفار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
تقوم على ما بين ظلف وحافرله جسم جلمود وصبغة قار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
وأربعة تحكى سبائك عسجدتطير بها فى الأرض كلّ مطار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
لها عنق قد خالط الجوّ تحتهطوال لها تخطو أمام قصار
وذات قرى وعر الركوب وإنّماأجلّت بذا عن ذلّة وصغار
لها عجبة التّيّاه عجبا بنفسهاولكنّ ذاك العجب تحت وقار
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.