تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر بغلات رسول الله ﷺ

تفضيلا لهذا الحيوان وتشريفا، وتنويها بذكره وتعريفا؛ والله أعلم.

ذكر بغلات رسول الله ﷺ

كان لرسول الله ﷺ بغلة شهباء يقال لها «دلدل»، أهداها له المقوقس. ذكر ذلك ابن قتيبة وابن سعد؛ فقال ابن سعد ما هذا نصه: «وبعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبى بلتعة اللّخمى، وهو أحد الستة، إلى

المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا؛ فأوصل إليه كتاب رسول الله ﷺ، فقرأه وقال له خيرا؛ وأخذ الكتاب فجعله فى حقّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته؛ وكتب إلى النبىّ ﷺ: «قد علمت أن نبيّا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وقد أهديت إليك كسوة وبغلة تركبها». ولم يزد على هذا ولم يسلم. فقبل رسول الله ﷺ هديّته، وأخذ الجاريتين: مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، وأختها سيرين، وبغلة بيضاء لم يكن فى العرب يومئذ غيرها وهى «دلدل». وقال رسول الله ﷺ: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه».

وذكر ابن سعد أيضا قال: كانت «دلدل» بغلة رسول الله ﷺ أوّل بغلة رئيت فى الإسلام، أهداها له المقوقس وأهدى معها حمارا يقال له «عفير»؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية. وفى لفظ: وكانت

شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت ثمّ. وفى لفظ: وكانت قد كبرت حتى زالت أستانها، وكان يجشّ لها الشعير.

وروى ابن سعد أيضا عن محمد بن عمر الأسلمىّ قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبى سبرة عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو إلى النبىّ ﷺ بغلة يقال لها «فضّة» فوهبها لأبى بكر. وكذلك قال البلاذرىّ.

وقد يقال: إن «دلدل» من هديّة فروة، وإن «فضّة» من هدية المقوقس.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أهدى للنبىّ ﷺ بغلة أهداها له كسرى؛ فركبها بجلّ من شعر ثم أردفنى خلفه. رواه الثّعالبىّ فى تفسيره فى قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ)

. قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدّمياطى ﵀: قوله «أهداها له كسرى» بعيد؛ لأنه مزّق كتاب النبىّ ﷺ وأمر عامله باليمن بقتله وبعث رأسه إليه؛ فأهلكه [الله] بكفره وطغيانه.

وروى مسلم بن الحجّاج ﵀ من حديث أبى حميد الساعدىّ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك؛ فذكر الحديث؛ وقال فيه: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة الى رسول الله ﷺ بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء؛ فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردا. رواه البخارىّ فى كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد؛ ورواه أبو نعيم فى المستخرج.

ولفظهما: «وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء فكساه بردا»؛ وقال أبو نعيم: بردة.

وقال ابن سعد: وبعث صاحب دومة الجندل لرسول الله ﷺ ببغلة وجبّة من سندس.

وروى إبراهيم الحربىّ فى كتاب الهدايا عن علىّ رضى الله عنه قال: وأهدى يحنّة بن روبة إلى رسول الله ﷺ بغلته البيضاء.

وروى يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه قال: انكشف الناس عن النبىّ ﷺ يوم حنين ورسول الله ﷺ على بغلته الشّهباء التى أهداها له النّجاشىّ وزيد آخذ بركاب بغلته. وذكر علىّ بن محمد بن حنين بن عبدوس الكوفىّ فى أسماء خيله وسلاحه وأثاثه: وكان اسم بغلته «دلدل» أهداها إليه المقوقس صاحب الإسكندريّة وكانت شهباء؛ وهى التى قال لها يوم حنين: «اربضى» فربضت. ويقال: إن عليّا ركبها بعد النبىّ ﷺ ثم ركبها الحسن ثم ركبها الحسين ثم ركبها محمد بن الحنفيّة

رضى الله عنهم؛ ثم كبرت وعميت، فوقعت فى مبطخة لبعض بنى مدلج فخبطت فيها، فرماها بسهم فقتلها.

وكانت له بغلة يقال لها «الأيليّة»؛ أهداها إليه ملك أيلة، وكانت طويلة مخندفة»

كأنما تقوم على رمال حسنة السير؛ فأعجبته ووقعت منه. وهى التى قال له فيها علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه حين خرج عليها: كأنّ هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: لو شئنا لكان لك مثلها؛ قال:

«وكيف»؛ قال: هذه أمّها فرس عربيّة وأبوها حمار، ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل هذه؛ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون».

وعن دحية بن خليفة الكلبىّ رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلة؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون». رواه ابن منده فى كتاب الصحابة.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ عبدا مأمورا، ما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى حمارا على فرس. رواه التّرمذىّ فى الجهاد. وفى لفظ آخر عنه رضى الله عنه: كان عبدا مأمورا بلّغ ما أرسل به، وما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى الحمار على الفرس. وهذا على هذين الحديثين يختصّ بآل النبىّ ﷺ دون غيرهم.

والذى يظهر من مجموع هذه الأحاديث المرويّة التى أوردناها أن بغلات رسول الله ﷺ كانت سبعا، وهى: «الدّلدل» التى أهداها له المقوقس، و «فضّة» التى أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التى أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل، وبغلة أهداها له يحنّة ابن روبة، وبغلة أهداها له النّجاشىّ صاحب الحبشة. والله تعالى أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.