تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء مما وصفت به البغال

قد ألّف الجاحظ كتابا فى البغال مفردا عن كتاب الحيوان، قال فيه ما نصه:

«نبدأ إن شاء الله بما وصف الأشراف من شأن البغلة فى حسن سيرتها، وتمام خلقتها، والأمور الدالّة على السرّ فى جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرّفها فى منافعها، وعلى خفّة مؤونتها فى التنقّل فى أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها مع كثرة ما يزعمون من عيوبها، ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها، وكيف ظهر فضلها مع النقص الذى هو فيها، وكيف اغتفروا مكروه ما فيها لما وجدوا من خصال المحبوب فيها.

قال: ولقد كلف بارتباطها الأشراف حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب «روّاض البغال»؛ ولقّبوا آخر ب «عاشق البغل». فبسط القول فى الترجمة ثم لم يأت من أخبار البغال بطائل، بل اقتصر على حكايات واستطرد منها إلى منها إلى غيرها، على عادته فى مصنّفاته. فكان مما حكاه من ذلك:

قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة طويلة العنان، قصيرة العذار، سفواء العرف، حصّاء الذّنب.

قال: وكتب روح بن عبد الملك إلى وكيل له: ابغنى بغلة حصّاء الذنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها إمامها.

قال: وعاتب صفوان بن عبد الله بن الأهتم عبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطّلب فى ركوب البغال، وكان ركّابا للبغلة، فقال له: مالك ولهذا المركب الذى لا يدرك عليه الثار، ولا ينجّيك يوم الفرار؟! فقال: إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة العير، وخير الأمور أوساطها. فقال صفوان:

إنا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم. وهو الذى يلقّب «روّاض البغال»، لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: أريدها واسعة الجفرة، مندحّة السّرّة، شديدة الغلوة، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، ملويّة الرّسغ، سفواء جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء.

قال: وقال ابن كتامة: سمعت رجلا يقول: إذا اشتريت بغلة، فاشترها طويلة العنق، تجده فى نجائها؛ مشرفة الهادى، تجده فى طباعها؛ ضخمة الجوف، تجده فى صبرها.

قال: ولما خرج قطرىّ بن الفجاءة أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأى غيره؛ فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلا يجرى ذكره فى مجلسه ويحفظ عنه ما يقول؛ فلمّا قعد قال الأحنف: أما إنهم إن جنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم.

قال الجاحظ: فلا ترى صاحب الحرب يستغنى عن البغال، كما لا ترى صاحب السّلم يستغنى عنها، وترى صاحب السفر كصاحب الحضر. انتهى كلام الجاحظ.

وحكى أنّ عبد الحميد الكاتب ساير مروان بن محمد الجعدىّ على بغلة؛ فقال له:

لقد طالت صحبة هذه الدابّة لك!؛ فقال: يا أمير المؤمنين، من بركة الدابّة طول صحبتها. فقال: صفها؛ فقال: همّها إمامها، وسوطها زمامها، وما ضربت قطّ إلّا ظلما.

وقال بعض الكتّاب من رسالة: «قد اخترت لسيّدى بغلة وثيقة الخلق، لطيفة الخرط، رشيقة القدّ، موصوفة السير، ميمونة الطير، مشرفة العنق، كريمة النّجار، حميدة الآثار.

إن أدبرت قلت لا تليل لهاأو أقبلت قلت ما لها كفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قد جمعت إلى حسن القميص، سلامة الفصوص؛ فسمّيت قيد الأوابد، وقرّة عين الساهد؛ تزرى فى انطلاقها، بالبروق فى ائتلاقها».

قال البحترىّ يصف بغلا:

وأقبّ نهد للصّواهل شطرهيوم الفخار وشطره للشّحّج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لمْ يَبقَ، في تلكَ الرّسُومِ بمَنْعِجِ»
خرق يتيه على أبيه ويدّعىعصبيّة لبنى الضّبيب وأعوج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»
مثل المذرّع جاء بين عمومةفى غافق وخؤولة للخزرج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»

وقال أبو الفرج الوأواء من قصيدة يشكر بعض أصحابه وقد أهدى له بغلة:

قد جاءت البغلة السّفواء يجنبهاللبرق غيث بدا ينهلّ ماطره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»
عريقة ناسبت أخوالها فلهابالعتق من أكرم الجنسين فاخره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»
ملء الحزام وملء العين مسفرةيريك غائبها فى الحسن حاضره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»
أهدى لها الرّوض من أوصافه شيةخضراء ناضرة إن زال ناضره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»
ليست بأوّل حملان شريت بهحمدى ولا هى يا ذا الجود آخره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»
كم قد تقدّمها من سابح بيدىعنانه وعلى الجوزا حوافره
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «قد جاءت البغلة السفواء يجنبها»

وقال أبو المكارم بن عبد السّلام:

كأنها النار فى الحلفاء إن ركضتكأنها السيل إن وافتك من جبل
كأنها الأرض إن قامت لمعتلفكأنها الريح إن مرّت على القلل
ما يعرف الفكر منها منتهى حضرما صوّر الوهم فيها وصمة الكسل
إذا اقتعدت مطاها وهى ماشيةثهلان تبصره فى زىّ منتقل

هذا ما اتّفق إيراده من صفات البغال التى تقتضى المدح.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.