من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل فى أوصاف الخيل وتشبيهها نظما ونثرا
أوّل من شبّه الفرس بالظبى والسّرحان والنّعامة، ثم اتّبعه الشعراء وحذوا مثاله واقتدوا به، هو امرؤ القيس بن حجر حيث قال:
له أيطلا ظبى وساقا نعامةوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
كأنّ على المتنين منه اذا انتحىمداك عروس أو صراية حنظل
مكّر مفرّ مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطّه السّيل من عل
درير كخذروف الوليد أمرّهتقلّب كفّيه بخيط موصّل
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنهكما زلّت الصّفواء بالمتنزّل
وقال أيضا:
وأركب فى الرّوع خيفانةكسا وجهها سعف منتشر
لها حافر مثل قعب الوليد ركّب فيه وظيف عجر
لها عجز كصفاة المسيل أبرز عنها حجاف مضرّ
لها ذنب مثل ذيل العروس تسدّ به فرجها من دبر
لها جبهة كسراة المجنّحذّفه الصانع المقتدر
إذا أقبلت قلت دبّاءةمن الخضر مغموسة فى الغدر
وإن أعرضت قلت سرعوفةلها ذنب خلفها مسبطرّ
وإن أدبرت قلت أثفيّةململمة ليس فيها أثر
وقال أبو داود الإيادى [يصف فرسا]:
له ساقا ظليم خاضب فوجئ بالرّعب
حديد الطّرف والمنكب والعرقوب والقلب
وقال آخر:
له صدر طاوس وفخذ نعامةووثبة نمر والتفات غزال
وأعجب من ذا كلما حطّ حافرايخطّ هلالا من وراء هلال
وقال البحترىّ وكان وصّافا للخيل:
وأغرّ فى الزمن البهيم محجّلقد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنىّ إلا أنهفى الحسن جاء كصورة فى هيكل
ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عنعرف، وعرف كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة فى غرّةيقق تسيل حجولها فى جندل
كالرائح النّشوان أكثر مشيهعرضا على السّنن البعيد الأطول
تتوّهم الجوزاء فى أرساغهوالبدر غرّة وجهه المتهلّل
صافى الأديم كأنّما عنيت بهلصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغهاصهباء للبردان أو قطر بلّ
وتخاله كسى الخدود نواعمامهما تواصلها بلحظ تخجل
وتراه يسطع فى الغبار لهيبهلونا وشدّا كالحريق المشعل
هزج الصّهيل كأنّ فى نغماتهن؟؟؟ رات معبد فى الثّقيل الأوّل
ملك العيون فإن بدا أعطينهنظر [المحبّ] إلى الحبيب المقبل
وكتب إلى محمد بن حميد [بن عبد الحميد] الطّوسىّ يستهديه فرسا، ووصف له أنواعا من الخيل؛ فقال من أبيات:
فأعن على غزو العدوّ بمنطوأحشاؤه طىّ الرّداء المدرج
إمّا بأشقر ساطع أغشى الوغىمنه بمثل الكوكب المتأجّج
متسربل شية طلت أعطافهبدم فما تلقاه غير مضرّج
أو أدهم صافى الأديم كأنهتحت الكمىّ مظهّر بيرندج
ضرم يهيج السّوط من شؤبوبههيج الجنائب من حريق العرفج
خفّت مواقع وطئه فلو أنّهيجرى برملة عالج لم يرهج
أو أشهب يقق يضىء وراءهمتن كمتن اللّجّة المترجرج
تخفى الحجول ولو بلغن لبانهفى أبيض متألّق كالدّملج
أوفى بعرف أسود متفرّد»فيما يليه وحافر فيروزجى
أو أبلق ملأ العيون إذا بدامن كلّ لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشىعنقا بأحسن حلّة لم تنسج
وعريض أعلى المتن لو علّيتهبالزّئبق المنهال لم يتدحرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤهاأمواج تحنيب بهنّ مدرّج
ولأنت أبعد فى السماحة همّةمن أن تضنّ بملجم أو مسرج
وقال أيضا يصف فرسا أدهم:
بأدهم كالظلام أغرّيجلوبغرّته دياجير الظلام
ترى أحجاله يصعدن فيهصعود البرق فى جون الغمام
وقال أيضا فى أدهم:
أمّا الجواد فقد بلونا يومهوكفى بيوم مخبرا عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامهاسبقا وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه جوانب غرّةجاءت مجىء البدر عند تمامه
واسودّ ثم صفت لعينى ناظرجنباته فأضاء فى إظلامه
مالت نواحى عرفه فكأنّهاعذبات أثل مال تحت حمامه
ومقدّم الأذنين تحسب أنّهبهما يرى الشخص الذى لأمامه
وكأنّ فارسه وراء قذالهردف فلست تراه من قدّامه
لانت معاطفه فخيّل أنهللخيزران مناسب لعظامه
فى شعلة كالشّيب مرّ بمفرقىغزل لها عن شيبه بغرامه
وكأن صهلته إذا استعلى بهارعد يقعقع فى ازدحام غمامه
مثل الغراب غدا يبارى صحبهبسواد صبغته وحسن قوامه
والطّرف أجلب زائر لمؤونةما لم تزره بسرجه ولجامه
وقال علىّ بن الجهم:
فوق طرف كالطّرف فى سرعة الطّرف وكالقلب قلبه فى الذكاء
لا تراه العيون إلّا خيالاوهو مثل الخيال فى الانطواء
وقال العباس بن مرداس:
جاء كلمع البرق سام ناظرهتسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
وقال أبو الطيّب المتنّبى:
وجردا مددنا بين آذانها القنافبتن خفافا يتّبعن العواليا
تماشى بأبد كلّما وافت الصّفانقشن به صدر البزاة حوافيا
وينظرن من سود صوادق فى الدّجىيرين بعيدات الشّخوص كما هيا
وتنصب للجرس الخفىّ سوامعايخلن مناجاة الضمير تناديا
تجاذب فرسان الصّباح أعنّةكأن على الأعناق منها أفاعيا
وقال أيضا:
وجياد يدخلن فى الحرب أعراء ويخرجن من دم فى جلال
واستعار الحديد لونا وألقىلونه فى ذوائب الأطفال
وقال أبو الطيّب أيضا:
ويوم كليل العاشقين كمنتهأراقب فيه الشمس أيّان تغرب
وعينى على أذنى أغرّ كأنهمن الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه فى إهابهتجىء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظّلماء أدنى عنانهفيطغى وأرخيه مرارا فيلعب
وأصرع أىّ الوحش قفّيته بهوأنزل عنه مثله حين أركب
وقال أيضا يصف فرسا:
إن أدبرت قلت لا تليل لهاأو أقبلت قلت ما لها كفل
وقال أبو الفرج الببغّاء:
إن لاح قلت أدمية أم هيكلأو عنّ قلت أسابح أم أجدل
تتخاذل الألحاظ فى إدراكهويحار فيه الناظر المتأمّل
فكأنه فى اللطف فهم ثاقبوكأنه فى الحسن حظّ مقبل
وقال أيضا من أبيات:
رماهم بألحاظ الجياد ولم تكنلينأى عليها المنزل المتباعد
من اللّاء يهجرن المياه لدى السّرىويعتضن شمّ الجوّ والجوّ راكد
مرنّ على لذع» القنا فكأنماعليهن من صبغ الدّماء مجاسد
نسجن ملاء النّقع ثم خرقنهبكرّ لها منه إلى النصر قائد
عليهنّ من نسج الغبار غلائلرقاق ومن نضح الدماء قلائد
وقال أبو الفتح كشاجم:
ماء تدفّق طاعة وسلاسةفإذا استدرّ الحضر منه فنار
وإذا عطفت به على ناوردهلتديره فكأنه بركار
قصرت قلادة نحره وعذارهوالرّسغ، وهى من العتيق قصار
يرد الضّحاضح غير ثان سنبكاويرود طرفك خلفه فيحار
لو لم تكن للخيل نسبة خلقهخالته من أشكالها الأطيار
وقال آخر:
وأقبّ تحمله رياح أربعلولا اللّجام لطار فى الميدان
من جملة العقبان إلّا أنّهمن حسنه فى طلعة الغزلان
يمشى إلى ميدانه متبخترامن تيهه كتبختر النّشوان
وقال ابن المعتزّ:
وخيل طواها القود حتى كأنّهاأنابيب سمر من قنا الخطّ ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنافطارت بها أيد سراع وأرجل
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ:
طرف نأت سماؤه عن أرضهوما نأى كاهله عن الكفل
ذو أربع من أربع من القبول والدّبور والجنوب والشّمل
وهو إذا أعملها ألفى لهافوق الذى يطلبه من العمل
كالبرق إن أومض أو كالرّعد إنأجلب أو صوب الحيا إذا احتمل
وقال آخر:
يجرى فيبعد من مدّى متقاربأبدا ويدنو من مدى متباعد
إن سار فهو غدير ماء مائجأو قام فهو غدير ماء جامد
وقال أبو الفضل الميكالى:
خير ما استطرف الفوارس طرفكلّ طرف بحسنه مبهوت
هو فوق الجبال وعل وفى السهل نعام وفى المعابر حوت
وقال آخر:
وطرف إذا ما جرى خلتهعقابا من الوكر يبغى المزارا
ترى فى الجبين له سوسناوتلمح فى لونه الجلّنارا
ويمشى على الماء من خفّةويقدح فى الجلمد الصخر نارا
فلو كان يبغى به راكبإلى مطلع الشمس سيرا لطارا
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
ومجرّر فى الأرض ذيل عسيبهحمل الزبرجد منه جسم عقيق
يجرى ولمع البرق فى آثارهمن كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلّهلو كان يرغب فى فراق رفيق
وقال ابن طباطبا:
عجبا لشمس أشرقت فى وجههلم تمح منه دجى الظلام المطبق
وإذا تمطّر فى الرّهان رأيتهيجرى أمام الريح مثل مطرّق
وقال تاج الملوك بن أيّوب:
وخيل كأمثال السّعالى شوازبتكاد بنا قبل المجال تجول
سوابق تكبو الريح قبل لحاقهالها مرح من تحتنا وصهيل
وقال إبراهيم بن خفاجة يصف فرسا أشهب:
ربّ طرف كالطّرف ساعة عدوليس يسرى سراه طيف الخيال
إن سرى فى الدّجى فبعض الدّرارىأو سعى فى الفلا فإحدى السّعالى
لست أدرى إن قيد ليلة أسرىأو تمطّيته غداة قتال
أجنوب تقتاد لى أم جنيبأم شمال عنانها بشمالى
أشهب اللّون أثقلته جلىّخبّ فيهن وهو ملقى الجلال
فبدا الصبح ملجما بالثّريّاوجرى البرق مسرجا بالهلال
وقال أيضا فى أشهب:
وظلام ليل لا شهاب بأفقهإلّا لنصل مهنّد أو لهذم
لا طمت لجّته بموجة أشهبيرمى بها بحر الظلام فيرتمى
قد سال فى وجه الدّجنّة غرّةفالليل فى شبه الأغرّ الأدهم
أطلعت منه ومن سنان أزرقومهنّد عضب ثلاثة أنجم
وقال أبو الصّلت يصف فرسا أشهب:
وأشهب كالشّهاب أضحىيجول فى مذهب الجلال
قال حسودى وقد رآهيجنب خلفى إلى القتال
من ألجم الصبح بالثريّاوأسرج البرق بالهلال
وقال ابن خفاجة وقد أهدى مهرا بهيما:
تقبّل المهر من أخى ثقةأرسل ريحا به الى المطر
مشتملا بالظلام من شيةلم يشتمل ليلها على سحر
منتسبا لونه وغرّتهالى سواد الفؤاد والبصر
تحسبه من علاك مسترقابهجة مرأى وحسن مختبر
حنّ إلى راحة نهيض ندىفمال ظلّ به على نهر
ترى به والنشاط يحفزهما شئت من فحمة ومن شرر
لو حمل الليل حسن دهمتهأمتع طرف المحبّ بالسّهر
أحمى من النجم يوم معركةظهرا وأجرى به من القدر
اسودّ، وابيضّ فعله كرمافالتفت الحسن فيه عن حور
فازدد سنا بهجة بدهمتهفاللّيل أذكى لغرّة القمر
ومثل شكرى على تقبّلهيجمع بين النسيم والزّهر
وقال فى فرس أشقر:
ومطهّم شرق الأديم كأنماألفت معاطفه النجيع خضابا
طرب إذا غنّى الحسام، ممزّقثوب العجاجة جيئة وذهابا
قدحت يد الهيجاء منه بارقامتلهّبا يزجى القتام سحابا
[ورمى الحفاظ به شياطين العدافانقضّ فى ليل الغبار شهابا]
بسّام ثغر الحلى تحسب أنّهكأس أثار بها المزاج حبابا
و قال فى أدهم أغرّ محجّل:
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وقال ابن نباتة السّعدىّ فى أدهم:
وأدهم يستمدّ الليل منهوتطلع بين عينيه الثريّا
سرى خلف الصباح يطير مشياويطوى خلفه الأفلاك طيّا
فلمّا خاف وشك الفوت منهتعلّق بالقوائم والمحيّا
وقال فى فرس أدهم أغرّ محجّل أهدى له:
قد جاءنا الطّرف الذى أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية ولّيتنا فبعثتهرمحا سبيب العرف عقد لوائه
تختال منه على أغرّ محجّلماء الدّياجى قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
متمهّلا والبرق من أسمائهمتبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرّهالو أن للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ فى أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
وقال محمد بن الحسين الفارسىّ النحوىّ أحد شعراء اليتيمة فى فرس أدهم أغرّ:
ومطهّم ما كنت أحسب قبلهأنّ السروج على البوارق توضع
وكأنما الجوزاء حين تصوّبتلبب عليه والثريّا برقع
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع