تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الحمر الأهلية

قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الحمار لا يولد له قبل أن تتمّ له ثلاث سنين ونصف. قالوا: والحمار إذا شمّ رائحة الأسد رمى بنفسه عليه لشدّة خوفه منه.

ولذلك قال أبو تمّام [يخاطب عبد الصمد بن المعذّل وقد هجاه]:

أقدمت ويلك من هجوى على خطروالعير يقدم من خوف على الأسد

والحمار يوصف بحدّة حاسّة السمع. وهو إذا نهق أضرّ بالكلب؛ قالوا:

حتى إنّه يحدث له مغسا؛ فلذلك يطول نباحه. والبرد يضرّ الحمار ويؤذيه؛ ولهذا لا يوجد فى بلاد الصّقالبة. وقال الجاحظ: وحلف أحمد بن العزيز أن الحمار ما ينام.

فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لأنّى أجد صياحه ليس بصياح من نام وانتبه فى تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه.

وأجود الحمير المصريّة. وأهل مصر يعتنون بتربيتها، ويحتفلون بأمرها ويسابقون عليها، ويسمّون مكان سباقها «الطابق». والجيّد منها يباع بالثمن الكثير. نقل صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه قال: لقد بيع منها حمار بمائة دينار وعشرة دنانير. وأمّا الذى رأيناه نحن منها فأبيع بألف درهم، وربما زاد بعضها على ألف. وكثير من أهل مصر يركبونها ويتركون الخيل والبغال.

فمن ركبها من الأعيان مع وجود القدرة والإمكان على ركوب الخيل والبغال، يقصد بذلك التواضع وعدم الكبرياء. ومن إركبها من ذوى الأموال وترك الخيل والبغال

ربما يفعل ذلك توفيرا لماله وضنّة به. ومن ركبها من الشباب والسّوقة يقصد بذلك التنزّه عليها لفراهتها وسرعة مشيتها.

وقد كان لرسول الله ﷺ حمار من حمير مصر اسمه «يعفور» وقيل: «عفير»؛ أهداه له المقوقس صاحب الإسكندريّة مع ما أهدى. وقد ورد أيضا فى الحديث أنه كان لرسول الله ﷺ حماران: «يعفور» و «عفير». فأمّا «عفير» فأهداه له المقوقس. وأمّا «يعفور» فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامىّ. ويقال: إنّ حمار المقوقس «يعفور» وحمار فروة «عفير».

قال الواقدىّ: مات «يعفور» عند منصرف النبىّ ﷺ من حجّة الوداع. وذكر السّهيلىّ: أن «يعفورا» طرح نفسه فى بئر يوم مات النبىّ ﷺ فمات. وذكر ابن فورك [فى كتاب الفصول] أنه كان فى مغانم خيبر، وأنّه كلّم النبىّ ﷺ وقال: يا رسول الله، أنا زياد بن شهاب، وقد كان

فى آبائى ستّون حمارا كلّهم ركبهم نبىّ، فاركبنى أنت. وزاد الجوينىّ فى كتاب الشامل: أنّ النبىّ ﷺ كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه؛ فيذهب حتى يضرب برأسه الباب؛ فيخرج ذلك الرجل، فيعلم أنه أرسل اليه، فيأتى النبىّ ﷺ.

وفى الحمار منافع طبيّة ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: رماد كبد الحمار بالزّيت ينفع من الخنازير؛ قال: ويبرئ من الجذام. وهذا دواء رخيص إن صحّ. قال: وكبده مشويّة على الرّيق تنفع من علّة الصّرع.

قال: والمكزوز»

من اليبوسة يجلس فى مرقة لحمه. وقيل: إنّ بوله نافع من وجع الكلى. قال: وبول الحمار الوحشىّ يفتّت الحصاة فى المثانة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.