من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
فصل فى نعوتها
اذا كانت النخلة على الماء فهى كارعة ومكرعة. فاذا حملت فى صغرها فهى مهتجنة. فاذا كانت تدرك فى أوّل النخل فهى بكور. فاذا كانت تحمل سنة وسنة
لا تحمل فهى سنهاء. فاذا كان بسرها ينتثر وهو أخضر فهى خضيرة. فاذا دقّت من أسفلها وانجرد كربها فهى صنبور. فاذا مالت فبنى تحتها دكّان تعتمد عليه فهى رجبيّة. فاذا كانت منفردة عن أخواتها فهى عوانة.
ويقال للطّلع: الكافور، والضّحك، والإغريض. فإذا انعقد سمّته السّياب.
فاذا اخضرّ قبل أن يشتدّ سمّته الجدال. فإذا عظم فهو البسر. فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطّم. فاذا تغيّرت البسرة إلى الحمرة فهى شقحة. فاذا ظهرت الحمرة فهو الزّهو، وقد أزهى. فاذا بدت فيه نقط من الإرطاب نصفها فهى المجزّع. فإذا بلغ ثلثيها فهى حلقانة. فإذا جرى الإرطاب فيها فهى منسبتة.
وللشّعراء فى النّخل أوصاف، فمن ذلك ما أنشده الأصمعىّ:
غدت سلمى تعاتبنى وقالترأيتك لا تريغ لنا معاشا
فقلت لها: أما يكفيك دهماذا أمحلت كنّ لنا رياشا
بوارك ما يبالين اللّيالىضربن لنا وللأيّام جاشا
اذا ما الغاديات ظلمن مدّتبأسباب ننال بها انتعاشا
ترى أمطاءها بالبسر هدلامن الألوان ترتعش ارتعاشا
وعن الشّعبىّ قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- إنّ رسلى أخبرونى أنّ بأرضك شجرة كالرجل القائم تفلّق عن مثل آذان الحمر، ثمّ يصير مثل اللّؤلؤ، ثم يعود كالزّمرّد الأخضر، ثمّ يصير كالياقوت الأحمر والأصفر
ثمّ يرطب فيكون كأطيب فالوذ اتّخذ، ثمّ يجفّ فيكون عصمة للمقيم، وزادا للمسافر فإن كان رسلى صدقونى فهى الشجرة الّتى نبتت على مريم بنت عمران. فكتب اليه عمر- رضى الله عنه-: إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتّخذ عيسى إنّ رسلك صدقوك، وهى الشجرة الّتى نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
أخذ عبد الصّمد بن المعدّل هذه التشبيهات، فقال يصف النّخل فى أرجوزة أوّلها:
حدائق ملتفّة الجنانرست بشاطى ترع ريّان
تمتار بالأعجاز للأذقانلا ترهب المحل من الأزمان
إن هى أبدت زينة المردانلا حت بكافور على إهان
يطلع منها كيد الإنسانإذا بدت ملمومة البنان
علّت بورس أو بزعفرانحتّى اذا شبّه بالآذان
من حمر الوحش لدى العيانشقّقه علجان ماهران
عن لؤلؤ صيغ على قضبانمصوغة من ذهب خلصان
ثمّ يرى للسّبع والثّمانىقد حال مثل الشّذر فى الجمان
يضحك عن مشتبه الأقرانكأنّه فى ناضر الأغصان
زمرّد لاح على تيجانحتّى إذا تمّ له شهران
وانسدلت عثاكل القنوانكأنّها قضب من العقيان
فصّلن بالياقوت والمرجانرأيته مختلف الألوان
من قانىء أحمر أرجوانىوفاقع أصفر كالنّيران
مثل الأكاليل على الغوانى
ونحوه قول أبى هلال العسكرىّ:
ونخيل وقفن فى معطف الرّمل وقوف الحبشان فى التّيجان
شربت بالأعجاز حتّى تروّتوتراءت بزينة الرّحمن
طلع الطّلع فى الجماجم منهاكأكفّ خرجن من أردان
فتراها كأنّها كمت الخيل توافت مصرّة الآذان
أهو الطّلع أم سلاسل عاجحملت فى سفائن العقيان
ثمّ عادت شبائها تتباهىبأعل شبائه أقران
خرزات من الزّبرجد خضروهبتها السّلوك للقضبان
ثمّ حال النّجار واختلف الشّكلفلاحت بجوهر ألوان
بين صفر فواقع تتباهىفى شماريخها وحمر قوانى
وقال النّمر بن تولب:
ضربن العرق فى ينبوع عينطلبن معينه حتّى روينا
بنات الدّهر لا يخشين محلااذا لم تبق سائمة بقينا
كأنّ فروعهنّ بكلّ ريحعذارى بالذوائب ينتضينا
وقال النابغة:
صغار النّوى مكنوزة ليس قشرهااذا طار قشر التّمر عنها بطائر
من الواردات الماء بالقاع تستقىبأعجازها قبل استقاء الحناجر
وقال السّرىّ الرّفّاء:
وكأنّ ظلّ النّخل حول قبابهاظلّ الغمام إذا الهجير توقّدا
من كلّ خضراء الذّوائب زيّنتبثمارها جيدا لها ومقلّدا
خرقت أسافلهنّ أعماق الثّرىحتّى اتّخذن البحر فيه موردا
شجر إذا ما الصّبح أسفر لم ينحللأمن طائره ولكن غرّدا
وقال شهاب الدّين الشّطنوفىّ:
كأنّ النّخيل الباسقات وقد بدتلناظرها حسنا قباب زبرجد
وقد علّقت من حولها [زينة لها]قناديل ياقوت بأمراس عسجد
وأمّا الجمّار وما قيل فيه- فالجمّار، هو رأس النّخل، واذا قطعت الجمّارة لا تعيش النخلة بعدها أبدا.
وقال الشيخ الرئيس: طبعه بارد فى الثانية، يابس فى الأولى؛ وهو قابض؛ وينفع من خشونة الحلق؛ ويقبض الإسهال والنّزف؛ وينفع من لسع الزّنبور ضمادا.
وقال شاعر يصفه:
جمّارة كالماء تبدو لناما بين أطمار من اللّيف
جسم رطيب اللّمس لكنّهقد لفّ فى ثوب من الصّوف
وأمّا ما وصف به الطّلع- فمن ذلك قول كشاجم:
أفدى الّذى أهدى إلينا طلعةأهدت إلى قلب المشوق بلابلا
فكأنّما هى زورق من صندلقد أو دعوه من اللّجين سلاسلا
وقال ابن وكيع:
طلع هتكنا عنه أستارهمن بعد ما قد كان مستورا
كأنّه لمّا بدا ضاحكافى العين تشبيها وتقديرا
[درج من الصّندل قد أودعتفيه يد العطّار كافورا]
وقال محمّد بن القاسم العلوىّ:
وطلع هتكنا عنه جيب قميصهفيا حسنه فى لونه حين هتّكا
حكى صدر خود من بنى الرّوم هزّهاسماع فشقّت عنه ثوبا ممسّكا
وقال كشاجم:
ولا بس ثوبا من الحريرمضمّخ الظاهر بالعبير
مضمّن الباطن ثوب نوريفترّ عن مكنونة الثّغور
كأنّما فتّ من الكافور
وقال أيضا:
قد أتانا الّذى بعثت إليناوهو شىء فى وقتنا معدوم
طلعة غضّة أتتنا تحاكىسفطا فيه لؤلؤ منظوم
وقال الرّبيع بن أبى الحقيق اليهودىّ يرثى كعب بن الأشرف:
ذو نخيل فى تلاع جمّةتخرج الطّلع كأمثال الأكف
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع