من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا ما وصف به وشبّه من الشّعر
- فمن ذلك قول ابن الرّومىّ:
إنّما الموز إذ تمكّن منهكاسمه مبدلا من الميم فاءا
وكذا فقده العزيز عليناكاسمه مبدلا من الزاى تاءا
فهو الفوز مثلما فقده الموت لقد عمّ فضله الأحياءا
ولهذا التأويل سمّاه موزامن أفاد المعانى الأسماءا
نكهة عذبة وطعم لذيذفنعيم متابع نعماءا
لو تكون القلوب مأوى طعامنازعته قلوبنا الأحشاءا
وقال فيه أيضا:
للموز إحسان بلا ذنوبليس بمعدود ولا محسوب
يكاد من موقعه المحبوبيسلمه البلع إلى القلوب
وقال الصّاحب جمال الدّين علىّ بن ظافر:
كأنّما الموز إذاما جاءنا بالعجب
أنياب أفيال صغار طلّيت بالذّهب
ونحوه قول الآخر- وكأنّه مأخوذ منه-:
موز حلا فكأنّهعسل ولكن غير جارى
ذو باطن مثل الأقاحوظاهر مثل النّضار
يحكى إذا قشّرتهأنياب أفيال صغار
وحكى صاحب (بدائع البدائه) أنّ الحسن بن رشيق ومحمّد بن شرف القيروانىّ اجتمعا فى مجلس المعزّ بن باديس وبين يديه موز، فاقترح على كلّ واحد منهما أن يعمل فيه شيئا، فقال ابن شرف:
يا حبّذا الموز وإسعادهمن قبل أن يمضغه الماضغ
لان إلى أن لا محسّ لهفالفم ملآن به فارغ
سيّان قلنا مأكل طيّبفيه وإلّا مشرب سائغ
إن قيل فيما قد حلا طيّبفالموز حلو طيّب بالغ
أحلى مذاقا من دماء العداأمكن منها أسد والغ
وقال ابن رشيق- وتواردا فى المعنى والقافية-:
موز سريع سوغهمن قبل مضغ الماضغ
مأكلة لاكلومشرب لسائغ
فالفم من لين بهملان مثل فارغ
يخال وهو بالغللحلق غير بالغ
ثمّ سألهما فى مثل ذلك، فقال محمد بن شرف:
هل لك فى موز إذاذقناه قلنا حبّذا
فيه شراب وغذايزيل كالماء القذى
لو مات من تلذّذابه لقلنا: ذا بذا
وقال ابن رشيق:
لله موز لذيذيعيذه المستعيذ
فواكه وشراببه يفيق الوقيذ
ترى القذى العين فيهكما يريها النّبيذ
فانظر إلى هذا التّوارد العجيب المرّة بعد المرّة.
وقال نجم الدّين بن إسرائيل يصفه:
أنعت لى موزا شهىّ المنظرمستحكم النّضج لذيذ المخبر
كأنّه فى جلده المعصفرلفّات زبد عجنت بسكّر
وأنشدنى الشيخ الفاضل شهاب الدّين أحمد بن منصور الدّمياطىّ- عرف بابن الجبّاس- فى ذى الحجّة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة لنفسه وأجاد:
كأنّما الموز فى عراجنهوقد بدا يانعا على شجره
فروع شعر برأس غانيةعقّص من بعد ضمّ منتشره
كأنّ من ضمّه وعقّصهأرسل شرّابة على أثره
كأنّ أمشاطه مكاحل منزمرّد نظّمت على قدره
كأنّما زهره الأنيق وقدشقّق عنه كمام مستتره
نظام ثغر يزينه شنبممتزج شهده بمعتصره
كأنّ قامات سوقه عمدحنت أواوينها على جدره
كأنّ أشجاره وقد نشرتظلال أوراقها على ثمره
حاملة طفلها على يدهاتقيه حرّ الهجير فى خمره
كأنّما ساقه الصّقيل وقدبدت عليه رقوم معتبره
ساق عروس أميط مئزرهافبان وشى الخضاب فى حبره
تصاغ من جوهر خلاخلهافتنجلى والنّثار من زهره
حدائق خفّفت سناجقهاكأنّها الجيش أمّ فى زمره
وكلّ آياته فباهرةتبين فى ورده وفى صدره
كأنّما عمره القصير حكىزمان وصل الحبيب فى قصره
كأنّ عرجونه المشيب أتىيخبر أن حانه انقضا عمره
كأنّه البدر فى الكمال وقدأصيب بالخسف فى سنا قمره
كأنّه بعد قطعه وقد اصفرّلما نال من أذى حجره
متيّم قد أذابه كمديبيت من وجده على خطره
معلّق بالرّجاء، ظاهرهيخبر عمّا أجنّ من خبره
يطيب ريحا ويستلذّ جنىعلى أذى زاد فوق مصطبره
كأنّه الحرّ حال محنتهيزيد صبرا على أذى ضرره
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع