من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبى سلمى وامتداحه رسول الله ﷺ
كان سبب إسلامه أنّ رسول الله ﷺ لما انصرف عن الطائف كتب أخوه بجير بن زهير إليه يخبره أن النبى ﷺ قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من شعراء قريش كابن الزّبعرى، وهبيرة بن أبى وهب قد هربوا فى كل وجه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فابح إلى نجائك من الأرض. وكان كعب قد كتب إلى أخيه بجير لمّا بلغه إسلامه:
ألا أبلغا عنّى بجيرا رسالةفهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟
شربت مع المأمون كأسا رويّةفأنهلك المأمون منها وعلّكا
وخالفت أسباب الهدى واتّبعتهعلى أىّ شىء ويب غيرك دلّكا
على خلق لم تلف أمّا ولا أباعليه ولم تدرك عليه أخا لكا
ويروى:
على خلق لم تلف يوما أبا لهعليه وما تلفى عليه أبا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسفولا قائل إمّا عثرت: لعّا لكا !
وبعث بها إليه، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ [لما سمع] قوله «سقاك بها المأمون»: «صدق وإنه لكذوب، [أنا المأمون] » ولما سمع قوله «على خلق لم تلف أمّا ولا أبا عليه» قال: « [أجل] لم يلف عليه أباه ولا أمه» فكتب بجير إلى كعب:
من مبلغ كعبا فهل لك فى التىتلوم عليها باطلا وهى أحزم
إلى الله- لا العزّى ولا اللّات- وحدهفتنجو إذا كان النّجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلتمن الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شىء دينهودين أبى سلمى علىّ محرّم
قال: فلما بلغ كعبا كتاب أخيه ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان فى حاضره من عدوّه، فقالوا: هو مقتول، فقال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله ﷺ، وذكر فيها خوفه، وإرجاف الوشاة به من عدوّه، وخرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلّى الصبح فصلّى معه، ثم أشار الجهنىّ لكعب إلى رسول الله ﷺ، فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فقام حتى جلس إليه، فوضع يده فى يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إنّ كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائيا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم» فقال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير، فوثب رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله، دعنى وعدوّ الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا نازعا ». قال: فغضب كعب على هذا الحىّ من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وأنشد كعب قصيدته؛ وهى:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبولمتيّم عندها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ برزتإلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرةلا يشتكى قصر منها ولا طول
تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمتكأنّه منهل بالرّاح معلول
شجّت بذى شبم من ماء محنيةصاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنفى الرّياح القذى عنه وأفرطهمن صوب غادية بيض يعاليل
ويل أمّها خلّة لو أنّها صدقتبوعدها أو لو أنّ النّصح مقبول
لكنها خلّة قد سيط من دمهافجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تقوم على حال تكون بهكما تلوّن فى أثوابها الغول
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاوما مواعيدها إلّا الأباطيل
وما تمسّك بالعهد التى زعمتإلّا كما يمسك الماء الغرابيل
أرجو وآمل أن يعجلن فى أبدوما لهنّ إخال الدهر تعجيل
فلا يغرنك ما منّت وما وعدتإنّ الأمانىّ والأحلام تضليل
أمست سعاد بأرض ما يبلّغهاإلا العتاق النّجيبات المراسيل
ولا يبلّغها إلا عذافرةفيها على الأين إرقال وتبغيل
من كل نضّاخة الذّفرى إذا عرقتعرضتها طامس الأعلام مجهول
ترمى النّجاد بعينى مفرد لهقإذا توقّدت الحزّان والميل
ضخم مقلّدها فعم مقيّدهافى خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها أبوها من مهجّنةوعمّها خالها قوداء شمليل
يمشى القراد عليها ثم يزلقهمنها لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنّحض من عرضمرفقها عن بنات الزّور مفتول
قنواء فى حرّتيها للبصير بهاعتق مبين وفى الخدّين تسهيل
كأنّ ما فات عينيها ومذبحهامن خطمها ومن اللّحيين برطيل
تمرّ مثل عسيب النّخل ذا خصلفى غارز لم تخوّنه الأحاليل
تهوى على يسرات وهى لاهيةذوابل وقعهنّ الأرض تحليل
سمر العجايات يتركن الحصى زيمالم يقهنّ سواد الأكم تنعيل
يوما يظلّ به الحرباء مرتبئاكأنّ ضاحيه فى النار مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلتبقع الجنادب يركضن الحصى قيلوا
كأنّ أوب ذراعيها وقد عرقتوقد تلفّع بالقور العساقيل
أوب يدى فاقد شمطاء معولةقامت فجاوبها نكد مثاكيل
نوّاحة رخوة الضّبعين ليس لهالما نعى بكرها الناعون معقول
تفرى اللّبان بكفّيها ومدرعهامشقّق عن تراقيها رعابيل
تسعى الوشاة بجنبيها وقولهمإنك يابن أبى سلمى لمقتول
وقال كلّ صديق كنت آملهلا ألهينّك إنّى عنك مشغول
فقلت خلّوا طريقى لا أبا لكمفكلّ ما قدّر الرحمن مفعول
كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامتهيوما على آلة حدباء محمول
نبّئت أنّ رسول الله أوعدنىوالعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذى أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذنّى بأقوال الوشاة ولمأذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم بهأرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظلّ ترعد من وجد بوادرهإن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يمينى ما أنازعهافى كفّ ذى نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندى إذ أكلّمهوقيل إنّك منسوب ومسئول
من ضيغم بضراء الأرض مخدرهفى بطن عثّر غيل دونه غيل
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهمالحم من الناس معفور خراذيل
إذا يساور قرنا لا يحلّ لهأن يترك الفرن إلّا وهو مفلول
منه تظلّ حميرا الجوّ نافرةولا تمشّى بواديه الأراجيل
ولا يزال بواديه أخو ثقةمطرّح البزّ والدّرسين مأكول
إنّ الرسول لنور يستضاء بهمهنّد من سيوف الله مسلول
أغرّ أبلج يستسقى الغمام بهكأنّ طلعته فى الليل قنديل
فى عصبة من قريش قال قائلهمببطن مكة لمّا أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشفعند اللّقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشى الجمال الزّهر يعصمهمضرب إذا عرّد السّود التّنابيل
شمّ العرانين أبطال لبوسهممن نسج داود فى الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكّت لها حلقكأنّها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهمقوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطّعن إلّا فى نحورهموما لهم عن حياض الموت تهليل
قال ابن إسحاق: فلما قال كعب فى قصيدته: «إذا عرّد السّود التنابيل»، وإنما أراد معشر الأنصار، وخصّ المهاجرين من قريش بمدحته، غضبت الأنصار عليه، فقال بعد ذلك يمتدح الأنصار من قصيدة له:
من سرّه كرم الحياة فلا يزلفى مقنب من صالحى الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابرإنّ الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السّمهرىّ بأذرعكسوالف الهندىّ غير قصار
والناظرين بأعين محمرّةكالجمر غير كليلة الإبصار
والبائعين نفوسهم لنبيّهمللموت يوم تعانق وكرار
يتطهّرون يرونه نسكا لهمبدماء من علقوا من الكفّار
دربوا كما دربت ببطن خفيّةغلب الرّقاب من الأسود ضوارى
وإذا حللت ليمنعوك إليهمأصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا عليّا يوم بدر ضربةدانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمى كلّهفيهم لصدّقنى الذين أمارى
قوم إذا خوت النجوم فإنهمللطارقين النازلين مقارى
قال ابن هشام: ويقال: إن رسول الله ﷺ قال له حين أنشد «بانت سعاد فقلبى اليوم متبول»: «لولا ذكرت الأنصار بخير، فإنّ الأنصار لذلك أهل».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع