تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفد تميم

قال أبو عبد الله محمد بن سعد: كان رسول الله ﷺ قد بعث بشر بن سفيان. ويقال: النّحّام العدوىّ على صدقات بنى كعب من خزاعة، فجاء وقد حلّ بنو احيهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكرت ذلك بنو تميم، وأبوا وابتدروا القسىّ، وشهروا السّيوف، فقدم المصدّق على رسول الله ﷺ فأخبره؛ فقال: «من لهؤلاء القوم» ؟ فانتدب لهم عيينة بن حصن، فبعثه رسول الله ﷺ فى خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجرىّ ولا أنصارىّ فأغار عليهم، فأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة، فقدم فيهم عدّة من رؤساء بنى تميم، منهم عطارد بن حاجب، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورياح ابن الحارث، وعمرو بن الأهتم، وغيرهم كما ذكرنا ذلك فى الغزوات فى خبر سريّة عيينة. قال ويقال: كانوا تسعين أو ثمانين رجلا.

قال ابن إسحق: والحتات بن يزيد أحد بنى دارم. قال: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارىّ، قالوا: فدخلوا المسجد وقد أذّن بلال بالظهر؛ والناس ينتظرون خروج رسول الله ﷺ، فعجلوا واستبطئوه، فنادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: يا محمد! اخرج إلينا. فخرج رسول

الله ﷺ، وأقام بلال، فصلّى رسول الله ﷺ الظهر، ثم أتوه؛ فقال الأقرع بن حابس: يا محمد، ايذن لى، فو الله إنّ حمدى لزين، وإنّ ذمّى لشين. فقال له رسول الله ﷺ: «كذبت، ذاك الله ﵎». حكاه ابن سعد.

وحكى محمد بن إسحق أنهم قالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل»، فقام عطارد بن حاجب، فقال:

الحمد لله الذى له علينا الفضل والمنّ؛ وهو أهله الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدّة، فمن مثلنا فى الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولى فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا، وإنّا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنّا نعرف [بذلك]]. أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس.

فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشّمّاس أخى بنى الحارث ابن الخزرج: «قم فأجب الرجل فى خطبته». فقام ثابت فقال:

الحمد لله الذى السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شىء قطّ إلا من فضله، وكان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه

كتابه، وائتمنه على [خلقه] فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوى رحمه؛ أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله ﷺ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا.

أقول هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات. والسلام عليكم.

فقام الزّبرقان بن بدر، فقال:

نحن الكرام فلا حىّ يعادلنامنّا الملوك وفينا تنصب البيع
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
[ويروى: «وفينا يقسم الرّبع»، بدل «تنصب البيع »].وكم قسرنا من الأحياء كلّهم
عند النّهاب وفضل العزّ يتّبعونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشّواء إذا لم يؤنس القزعبما ترى الناس تأتينا سراتهم

من كلّ أرض هويّا ثم نصطنع

[ويروى:

من كلّ أرض هوانا ثم نتّبع]

فننحر الكوم عبطا فى أرومتناللنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
فلا ترانا إلى حىّ نفاخرهمإلّا استقادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا فى ذاك نعرفهفيرجع القوم والأخبار تستمع
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
إنّا أبينا ولم يأبى لنا أحدإنّا كذلك عند الفخر نرتفع
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة

قال محمد بن إسحق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله ﷺ، فقال حسان: جاءنى رسوله فأخبرنى أنه إنما دعانى لأجيب شاعر بنى تميم، فخرجت إلى رسول الله ﷺ وأنا أقول:

منعنا رسول الله إذ حلّ وسطناعلى أنف راض من معدّ وراغم
منعناه لمّا حلّ بين بيوتنابأسيافنا من كلّ باغ وظالم
ببيت حريد عزّه وثراؤهبجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلّا السّودد العود والنّدىوجاه الملوك واحتمال العظائم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»

قال: فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ، وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت فى قوله وقلت على نحو ما قال. قال: ولما فرغ الزّبرقان من إنشاده، قال رسول الله ﷺ لحسّان بن ثابت: «قم فأجب الرجل» فقام حسّان فقال:

إنّ الذّوائب من فهر وإخوتهمقد بيّنوا سنّة للناس تتّبع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
يرضى بها كلّ من كانت سريرتهتقوى الإله وكلّ الخير يصطنع

[ويروى:

يرضى بها كلّ من كانت سريرتهتقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا]
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
قوم إذا جاربوا ضرّوا عدوّهمأو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا
سجيّة تلك منهم غير محدثةإنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع
إن كان فى الناس سبّاقون بعدهمفكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
لا يرقع النّاس ما أوهت أكفّهمعند الرّقاع ولا يوهون ما رقعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهمأو وازنوا أهل مجد بالذّرى متعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
أعفّة ذكرت فى الوحى عفّتهملا يطبعون ولا يرديهم طمع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
لا يبخلون على جار بفضلهمولا يمسّهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحىّ لا ندبّ لهمكما يدبّ إلى الوحشيّة الذّرع
تسمو إذا الحرب نالتنا مخالبهاإذا الزّعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوّهموإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنّهم فى الوغى والموت مكتنعأسد بحلية فى أرساغها فدع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبواولا يكن همّك الأمر الذى منعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
فإنّ فى حربهم فاترك عداوتهمشرّا يخاض عليه السّمّ والسّلع»
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
أكرم بقوم رسول الله شيعتهمإذا تفاوتت الأهواء والشّيع
أهدى لهم مدحتى قلب يؤازرهفيما أحبّ لسان حائك صنع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
فإنّهم أفضل الأحياء كلّهمإن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»

وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام ﵀: حدّثنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزّبرقان بن بدر لمّا قدم على رسول الله ﷺ فى وفد بنى تميم، قام فقال:

أتيناك كيما يعلم الناس فضلناإذا اختلفوا عند احتضار المواسم
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
بأنّا فروع الناس فى كلّ موطنوأن ليس فى أرض الحجاز كدارم
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
وأنّا نذود المعلمين إذا انتخواونضرب رأس الأصيد المتفاقم
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
وأنّ لنا المرباع فى كلّ غارةنغير بنجد أو بأرض الأعاجم
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة

فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:

هل المجد إلّا السّودد العود والنّدىوجاه الملوك واحتمال العظائم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
نصرنا وآوينا النّبىّ محمداعلى أنف راض من معدّ وراغم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
بحىّ حريد أصله وثراؤهبجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لمّا حلّ وسط ديارنابأسيافنا من كلّ باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتناوطبنا له نفسا بفىء المغانم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
ونحن ضربنا الناس حتّى تتابعواعلى دينه بالمرهفات الصّوارم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
ونحن ولدنا من قريش عظيمهاولدنا نبىّ الخير من آل هاشم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
بنى دارم لا تفخروا إنّ فخركميعود وبالا عند ذكر المكارم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
هبلتم، علينا تفخرون وأنتملنا خول من بين ظئر وخادم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكموأموالكم أن تقسموا فى المقاسم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلمواولا تلبسوا زيّا كزىّ الأعاجم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»
وأفضل ما نلتم من المجد والعلاردافتنا عند احتضار المواسم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «هل المجد إلا السؤدد العود والندى»

قالوا: فلما فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى، إنّ هذا الرجل لمؤتّى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ولهم أحلم منّا. ونزل فى وفد بنى تميم قوله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

قال محمد بن سعد: وقال رسول الله ﷺ فى قيس بن عاصم:

«هذا سيّد أهل الوبر» وردّ عليهم الأسرى والسّبى، وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفد؛ ثنتى عشرة أوقية ونشّا، وهى خمسمائة درهم.

قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الأهمّ قد خلّفه القوم فى ظهرهم، وكان أصغرهم ستّا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله! إنه قد كان رجل منّا فى رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، فبلغ عمرو بن الأهتم ما قاله قيس فيه؛ فقال:

ظللت مفترش الهلباء تشتمنىعند النبىّ فلم تصدق ولم تصب
إن تنقصونا فإنّ الرّوم أصلكموالرّوم لا تملك البغضاء للعرب
وإنّ سوددنا عود وسوددكممؤخّر عند أصل العجب والذّنب

وروى أن الزّبر قان فخر يومئذ فقال:

يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظّلم، وهذا يعلم ذلك. وأشار إلى عمرو بن الأهتم. فقال عمرو:

إنه شديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع فى أدانيه. فقال الزّبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد.

فقال عمرو: أنا أحسدك؟! فو الله إنّك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض فى العشيرة، والله ما كذبت فى الأولى، ولقد صدقت فى الثانية.

فقال رسول الله ﷺ: «إنّ من البيان لسحرا».

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.