من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفد النّخع
قالوا: بعث النّخع رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ وافدين بإسلامهم، وهما أرطاة بن شراحيل بن كعب، من بنى حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم، من بنى بكر بن عوف من النّخع، فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعا عن قومهما، فأعجب رسول الله ﷺ شأنهما، وحسن هيئتهما؛ فقال: «هل خلّفتما وراء كما من قومكما مثلكما» ؟ قالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفّذ الأشياء، ما يشار كوننا فى الأمر إذا كان، فدعا لهما رسول الله ﷺ ولقومهما بخير، وقال: «اللهمّ بارك فى النّخع». وعقد لأرطاة لواء على قومه، وكان فى يده يوم الفتح، فشهد
به القادسيّة فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد فقتل- رحمهما الله- فأخذه سيف ابن الحارث من بنى جذيمة، فدخل به الكوفة.
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمىّ، قال: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ﷺ وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنّصف من المحرم، سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول الله ﷺ مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، وكان فيهم زرارة بن عمرو.
وحكى أبو عمر بن عبد البرفى ترجمة زرارة بن عمرو، والد عمرو بن زرارة، قال: قدم على رسول الله ﷺ فى وفد النّخع، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت فى طريقى رؤيا هالتنى. قال: «وما هى» ؟ قال: رأيت أتانا خلّفتها فى أهلى ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى- يقال له عمرو- وهى تقول: لظى لظى، بصير وأعمى. فقال النبى ﷺ: «أخلّفت فى أهلك أمة مسرّة ولدا». قال: نعم. قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك » قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منّى، أبك
برص تكتمه» ؟ قال: والذى بعثك بالحق، ما علمه أحد قبلك. قال: «فهو ذاك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدى». قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال:
يقتل الناس إمامهم، يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف بين أصابعه- دم المؤمن عند المؤمن أحلى من الماء، يحسب المسىء أنه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك». قال: فادع الله لى ألّا تدركنى. فدعا له.
قال: وكان قدوم زرارة بن عمرو هذا على رسول الله ﷺ فى النّصف من شهر رجب سنة تسع.
وقال الطبرى: قدم على رسول الله ﷺ وفد النّخع وهم مائتا رجل، وفيهم زرارة بن قيس بن الحارث بن عدىّ بن الحارث بن عوف بن جشم ابن كعب بن قيس بن منقذ بن مالك بن النّخع فأسلموا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع