من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل الزبير بن العوام رضى الله عنه وشىء من أخباره
هو أبو عبد الله الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، القرشى الأسدى.
وأمّه صفيّة بنت عبد المطّلب، عمّة رسول الله ﷺ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستّة أصحاب الشّورى، وهو قديم الإسلام، واختلف فى سنّه يوم أسلم، فقيل:
خمس عشرة سنة، وقيل ست عشرة، وقيل: اثنتى عشرة سنة وقيل: ثمانى سنين. والأول أصح.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود حين أخى بين المهاجرين، ولما أخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش.
وكان له رضى الله عنه من الولد- فيما حكاه بعضهم- عشرة، وهم: عبد الله وعروة ومصعب والمنذر وعمرو وعبيدة وجعفر وعامر وعمير وحمزة.
وكان الزّبير رضى الله عنه أوّل من سلّ سيفا فى سبيل الله، وذلك أنه نفخت فيه نفخة من الشّيطان: «أخذ رسول الله ﵊»، فأقبل يشقّ الناس بسيفه، والنبىّ ﷺ بأعلى مكّة، فقال له رسول الله: ما لك يا زبير؟ قال: أخبرت أنك أخذت! فصلّى عليه ودعا له.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الزّبير ابن عمّتى وحواريّى من أمّتى»
. وقال: «لكلّ نبىّ حوارىّ، وحواريّى الزّبير»
. وسمع ابن عمر رضى الله عنه رجلا يقول: «أنا ابن الحوارىّ»، فقال إن كنت ابن الزّبير وإلّا فلا.
وذكر فى معنى «الحوارىّ»: الخالص، وقيل الخليل، ولذلك قال جرير:
أفبعد مقتلهم خليل محمدترجو القيون مع الرسول سبيلا
وقيل: الحوارىّ: الناصر. وقيل: الصاحب المستخلص.
وجمع رسول الله ﷺ أبويه للزّبير مرّتين: يوم أحد ويوم بنى قريظة، فقال: «ارم فداك أبى وأمّى!».
قال أبو عمر ابن عبد البر: وكان الزبير تاجرا! مجدودا فى التجارة، قيل له يوما: بم أدركت فى التجارة ما أدركت؟ فقال:
لأنى لم أشتر غبنا ولم أردد ربحا والله يبارك لمن يشاء.
وروى عن كعب قال: كان للزّبير ألف مملوك يؤدّون إليه الخراج فما يدخل بيته منه درهما واحدا. يعنى أنه كان يتصدق بذلك.
وكان سبب قتله رضى الله عنه أنّه لما انصرف من وقعة الجمل وفارق الحرب مرّ بالأحنف فقال: هذا الذى جمع بين المسلمين حتّى ضرب بعضهم بعضا ثم لحق ببيته! ثم قال للناس: من يأتينى بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا.
وقيل: إنّ الزّبير لمّا انصرف نزل بعمرو بن جرموز، فقال له:
«يا أبا عبد الله، جنيت حربا ظالما أو مظلوما ثمّ تنصرف! أتائب أم عاجز؟» فسكت عنه الزّبير، ثم عاوده، فقال: ظنّ فىّ كلّ شىء
غير الجبن. فانصرف عنه ابن جرموز وهو يقول: «والهفى على ابن صفيّة! أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله! قتلنى الله إن لم أقتله!» ثم رجع إليه كالمتنصّح، فقال: «يا أبا عبد الله دون أهلك فياف، فخذ نجيبى هذا وخلّ فرسك ودرعك، فإنهما شاهدان عليك بما نكره». وأراد بذلك أن يلقاه حاسرا، ولم يزل به حتّى تركهما عنده وأخذ نجيبه، وسار معه ابن جرموز كالمشيّع له، حتّى انتهيا إلى وادى السّباع، فاستغفله ابن جرموز وطعنه. وقيل: إنّه اتبعه إلى الوادى فقتله وهو فى الصلاة. وقيل: بل قتله وهو نائم.
وفى ذلك تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية زوجته ترثيه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمةيوم اللقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبّهته لوجدتهلا طائشا رعش الجنان ولا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنهعنها طرادك يا ابن فقع القردد
ثكلتك أمّك إن ظفرت بمثلهفيما مضى ممّن يروح ويغتدى
والله ربّك إن قتلت لمسلماحلت عليك عقوبة المتعمّد
قال: فلمّا رجع برأسه وسلبه قال له رجل من قومه: «فضحت والله اليمن أوّلها وآخرها بقتلك الزّبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله ﷺ وحواريّه وابن عمّته! والله لو قتلته فى حرب لعزّ ذلك علينا ولمسّنا عارك! فكيف فى جوارك وحرمك؟!» قال: وأتى ابن جرموز عليّا، فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزّبير.
فقال علىّ رضى الله عنه ائذن له وبشّره بالنار، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار!
فقال ابن جرموز:
أتيت عليا برأس الزّبير أرجو لديه به الزّلفه
فبشّر بالنار إذ جئتهفبئس بشارة ذى التّحفه
وسيان عندى قتل الزّبيروضرطة عير بذى الجحفه
وحكى أبو عمر ابن عبد البر فى كتابه المترجم ب «الاستيعاب» من رواية عمرو بن جاوان عن الاحنف بن قيس قال: لما بلغ الزبير سفوان (موضعا بالبصرة كمكان القادسيّة من الكوفة) لقيه النعر (رجل من بنى مجاشع) فقال: «أين تذهب يا حوارىّ رسول الله؟
إلىّ، فأنت فى ذمّتى لا يوصل إليك»، فأقبل معه، وأتى إنسان الأحنف فقال: هذا الزّبير قد لقى بسفوان، فقال الأحنف: «ما شاء الله كان، قد جمع بين المسلمين حتّى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسّيوف، ثم يلحق ببيته وأهله!!» فسمعه عميرة بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع فى غواة من غواة بنى تميم، فركبوا فى طلبه، فلقوه مع النعر، فأتاه عميرة بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزّبير على فرس له يقال له «ذو الخمار»، حتى إذا ظنّ أنه قاتله نادى صاحبيه: «يا نفيع
يا فضالة» فحملوا عليه حتّى قتلوهقال: وهذا أصّح مما تقدّم
وكان مقتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.
وكانت سنّه يوم قتل سبعا وستّين سنة، وقيل ستّا وستين.
وكان الزّبير رضى الله عنه أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية.
وقال حسّان بن ثابت يمدح الزّبير ويفضّله:
أقام على عهد النبىّ وهديهحواريّه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقهيوالى ولى الحقّ والحقّ أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذىيصول إذا ما كان يوم محجّل
وإن امرأ كانت صفية أمهومن أسد فى بيته لمرفّل
له من رسول الله قربى قريبةومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كرّة ذبّ الزّبير بسيفهعن المصطفى والله يعطى ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشّهابأبيض سبّاق إلى الموت يرقل
فما مثله فيهم ولا كان قبلهوليس يكون الدّهر ما دام يذبل
وروى عن عبد الله بن الزّبير رضى الله عنهما أنه قال: لمّا وقف الزّبير يوم الجمل دعانى، فقمت إلى جنبه، فقال «يا بنىّ:
إنّه لا يقتل اليوم إلّا ظالم أو مظلوم، وإنّى لا أرانى إلّا سأقتل اليوم
مظلوما، وإنّ من أكبر همّى لدينى، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا؟ وقال: يا بنى بع مالنا واقض دينى. وأوصى بالثّلث وثلثه لبنيه (يعنى بنى عبد الله بن الزّبير) يقول: الثلث إليك فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدّين فثلثه لولدك. قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بنى الزّبير: خبيب وعبّاد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله فجعل يوصينى بدينه ويقول: يا بنىّ إن عجزت عن شىء منه فاستعن عليه مولاى. قال: فو الله ما دريت ما أراد، حتّى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله تعالى. فو الله ما وقعت فى كربة من دينه إلّا قلت: «يا مولى الزّبير اقض عنه دينه» فيقضيه.
فقتل الزّبير رضى الله عنه ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر.
قال: وإنّما كان دينه الذى عليه أنّ الرجل كان يأتيه بالمال
فيستودعه إيّاه، فيقول الزّبير رضى الله عنه لا، ولكنّه سلف، فإنّى أخشى عليه الضّيعة.
وما ولى إمارة قطّ ولا جباية خراج ولا شيئا إلّا أن يكون فى غزوة مع النبى ﷺ أو مع أبى بكر أو عمر أو عثمان رضى الله عنهم.
قال عبد الله بن الزّبير: فحسبت ما عليه من الدّين فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف.
قال: فلقى حكيم بن حزام عبد الله بن الزّبير فقال: يا ابن أخى كم على أخى من الدّين؟ فكتمه وقال: مائة ألف. فقال حكيم:
والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفى ألف ومائتى ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شىء منه فاستعينوا بى.
قال: وكان الزّبير رضى الله عنه اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال:
من كان له على الزّبير حقّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزّبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخّرون إن أخّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: فاقطعوا لى قطعة. فقال عبد الله لك من ههنا إلى ههنا. فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقى
منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قوّمت الغابة؟ قال: كلّ سهم بمائة ألف. قال: كم بقى قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزّبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقى فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. (قال وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف) قال: فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه قال بنو الزّبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتّى أنادى بالموسم أربع سنين: «ألا من كان له على الزّبير دين فليأتنا فلنقضه».
قال: فجعل كلّ سنة ينادى بالموسم، فلمّا مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان للزّبير أربع نسوة، ورفع الثّلث، فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف. هكذا أورده البخارىّ ﵀ فى صحيحه، وعقد جملة المال فى آخره على ما ذكرنا.
والذى دلّ عليه الحساب أنّ جملة المال تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف، وذلك أنّ نصيب الزوجات الأربع (وهو الثّمن بعد وفاء الدّين ورفع الثلث الذى أوصى به لبنى عبد الله) اشتمل على أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف، يضرب فى ثمانية فتكون ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف، ويكون ثلث الوصية (وهو نصف هذه الجملة) تسعة عشر ألف ألف ومائتى ألف، والدّين ألفى ألف ومائتى ألف، فتخرج الجملة على ما ذكرناه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع