من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل طلحة رضى الله عنه وشىء من أخباره
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب القرشى التّيمى.
وهو أقرب العشرة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، يجتمع نسبه مع نسب أبى بكر فى عمرو بن كعب بن سعد.
ويجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ، فى مرّة ابن كعب.
وأم طلحة: الحضرميّة، وهى الصّعبة بنت عبد الله بن عباد ابن مالك بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عويف بن مالك بن الخزرج ابن إياد بن الصّدف من حضرموت من كندة، يعرف أبوها عبد الله ب «الحضرمىّ».
ويعرف طلحة ب «طلحة الخير» و «طلحة الفيّاض». قيل
سمّى بالفيّاض لأنّه اشترى مالا بموضع يقال له «بيسان»، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنت إلا فيّاض»، فسمّى بذلك من يومئذ.
وهو رضى الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وقسم له سهمه وأجره يوم بدر.
وقد تقدم خبره فى ذلك.
ثم شهد أحدا وما بعدها، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، ووقى رسول الله ﵊ بنفسه، اتّقى عنه النّبل بيده حتى شّلّت إصبعه وضرب فى رأسه، وحمل رسول الله ﵊ على ظهره حتى صعد الصخرة، فقال ﵇ لأبى بكر رضى الله عنه: «اليوم أوجب طلحة يا أبا بكر».
ويروى أنّ رسول الله ﷺ نظر إليه فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة»
. وحكى أبو عمر ابن عبد البر ﵀ فقال: زعم بعض أهل العلم أنّ عليّا رضى الله عنه دعاه يوم الجمل، فذكّره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع طلحة عن قتاله، على نحو ما صنع الزّبير واعتزل فى بعض الصفوف، فرمى بسهم، فقطع من رجله عرق النّسا، فلم يزل دمه ينزف حتّى مات. ويقال: إنّ السهم أصاب ثغرة نحره، وإنّ الذى رماه مروان بن الحكم وقال: لا أطلب بثأرى بعد اليوم. وذلك أنّ طلحة- فيما زعموا- كان ممّن حاصر عثمان واشتد عليه. قال ابن عبد البر: ولا يختلف العلماء فى أن مروان بن الحكم قتل طلحة يومئذ، واستدلّ على ذلك بأخبار [رواها من قول مروان تدل على أنه قاتله].
قال: وقد روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال:
والله إنّى لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزّبير ممّن قال الله
تبارك وتعالى فيهم: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
وروى أبو عمر بسنده إلى قيس بن أبى حازم قال: رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم فى ركبته، فجعل الدّم يسيل، فإذا أمسكوه استمسك وإذا تركوه سال، فقال: دعوه فإنّما هو سهم أرسله الله. قال فمات، فدفنّاه على شاطئ الكلّاء، فرأى بعض أهله أنه أتاه فى المنام فقال: «ألا تريحوننى من هذا الماء فإنى قد غرقت!» ثلاث مرار يقولها، قال: فنبشوه فإذا هو أخضر كأنّه السّلق، فنزحوا عنه الماء، فاستخرجوه، فإذا ما يلى الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا له دارا من دور آل أبى بكر بعشرة آلاف، فدفنوه فيها.
وروى أيضا بسنده إلى علىّ بن زيد عن أبيه أن رجلا رأى فيما يرى النائم أنّ طلحة بن عبيد الله قال: «حوّلونى عن قبرى فقد آذانى الماء!» ثم رآه، حتّى رآه ثلاث ليال، فأتى ابن عبّاس فأخبره، فنظروا فإذا شقّة الذى يلى الارض فى الماء، فحوّلوه، قال: فكأنى أنظر إلى الكافور فى عينيه لم يتغيّر إلّا عقيصته فإنها مالت عن موضعها.
وقتل رضى الله عنه وهو ابن ستّين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستّين، وذلك يوم الجمل، لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين.
وكان رضى الله عنه رجلا آدم، حسن الوجه، كثير الشّعر، ليس بالجعد القطط [ولا بالسّبط] وكان لا يغيّر شعره.
وسمع علىّ رجلا ينشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقهإذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر
فقال: ذاك أبو محمد طلحة بن عبيد الله.
وحكى الزّبير أنّه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلّة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كلّ يوم! (قال: والوافى وزنه وزن الدّينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التى تعرف بالبغلية).
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع