تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبرهم [٣] بعد صفين

قد ذكرنا فى وقعة صفين أنه لمّا رفعت المصاحف، تكلّم أولئك القوم مع علىّ بما ذكرناه، وأبوا إلّا ترك الحرب والرجوع إلى كتاب الله، وموافقة علىّ رضى الله عنه لهم فيما رأوه، على كره منه.

فلما رجع علىّ من صفّين بعد كتابة الصحيفة، خالفت عليه الحروريّة وأنكروا تحكيم الرجّال، ورجعوا على غير الطريق الذى أقبلوا فيه، أخذوا على طريق البرّ وعادوا وهم أعداء متباغضون، يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم فى أمر الله! ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرّقتم جماعتنا! فلمّا انتهى علىّ إلى الكوفة فارقته الخوارج وأتت حروراء فنزل بها

[منهم] اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: «إن أمير القتال شبث بن ربعىّ التميمى، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليشكرى، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله ﷿، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر». فلما سمع علىّ رضى الله عنه وأصحابه ذلك، قامت إليه الشّيعة فقالوا له: «فى أعناقنا بيعة ثابتة نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت». فقالت الخوارج: «استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسى رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبّ وكرهوا، وبايعتم أنتم عليّا أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى» فقال لهم زياد بن النّضر: «والله ما بسط علىّ يده فبايعناه قطّ إلّا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊، ولكنكم لمّا خالفتموه جاءته شيعته فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل». قال:

وبعث علىّ رضى الله عنه عبد الله بن العبّاس إلى الخوارج، وقال له. لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتّى آتيك. فخرج إليهم، فأقبلوا يكلّمونه، فلم يصبر حتّى راجعهم، فقال: «ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله ﷿: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما

فكيف بأمّة محمد ﷺ؟». فقالت الخوارج: «أمّا ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم فى الزّانى مائة جلدة، وفى

السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا فى هذا». قال ابن عبّاس:

فإن الله تعالى يقول يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ

فقالوا: وتجعل الحكم فى الصيد والحدث بين المرأة وزوجها كالحكم فى دماء المسلمين؟

وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكّمتم فى أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه فى معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت «برآءة» إلّا من أقرّ بالجزية.

وبعث علىّ رضى الله عنه زياد بن النّضر فقال: انظ بأىّ رءوسهم هم أشد إطافة. فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد ابن قيس، فخرج علىّ رضى الله عنه فى الناس حتّى أتى فسطاط يزيد ابن قيس، فدخله، فصلّى فيه ركعتين، وأمّره على أصبهان والرّىّ، ثم خرج حتّى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال له:

ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة. [ثم]: قال لهم: من زعيمكم؟

قالوا: ابن الكواء قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفّين. قال: «أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، وقلتم: نجيبهم، قلت لكم: إنى أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسلوا بأصحاب دين!» وذكر ما كان قال لهم، ثم قال «وقد اشترطت

على الحكمين أن يحييا ما أحيى القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء». قالوا: فخبّرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال فى الدماء؟

فقال: «إنا لسنا حكّمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفّتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال» قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم؟ قال: «ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعلّ الله ﷿ يصلح فى هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله». فدخلوا من عند آخرهم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.