تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الموادعة بين على ومعاوية فى شهر المحرم وما كان بينهما من المراسلة والأجوبة فى الشهر

قال: وفى شهر المحرم سنة سبع وثلاثين جرت موادعة بين علىّ رضى الله عنه ومعاوية بن أبى سفيان، توادعا على ترك الحرب بينهما حتّى ينقضى الشهر، طمعا فى الصلح.. واختلفت فيه بينهما الرسائل.

فبعث على رضى الله عنه عدىّ بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبى وشبث بن ربعىّ وزياد بن خصفة.

فتكلّم عدىّ بن حاتم، فحمد الله، فقال: «أمّا بعد، فقد جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمّتنا، ويحقن به الدماء، ويصلح به ذات البين، إنّ ابن عمّك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها فى الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس، ولم يبق أحد غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل». فقال له معاوية: «كأنك جئت مهدّدا لم تأت مصلحا، هيهات يا عدىّ، كلّا! والله إنّى لابن حرب،

ما يقعقع لى بالشّنان ! وإنّك والله لمن المجلبين على عثمان، وإنك من قتلته، وإنى لأرجو أن تكون ممّن يقتله الله به».

فقال شبث وزياد بن خصفة جوابا واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينفع، وأجبنا فيما يعمّ نفعه.

وقال يزيد بن قيس: إنّا لم نأت إلّا لنبلّغك ما أرسلنا به إليك ونؤدّى عنك ما سمعنا منك، ولم نخدع أن ننصح لك، وأن نذكر ما تكون به الحجّة عليك، ويرجع إلى الألفة والجماعة، إنّ صاحبنا من قد عرف المسلمون فضيله، ولا يخفى عليك، فاتّق الله يا معاوية ولا تخالفه، فإنّا والله ما رأينا فى الناس رجلا قطّ أعمل بالتقوى ولا أزهد فى الدّنيا ولا أجمع لخصال الخير كلّها منه».

فحمد الله معاوية، ثم قال: أمّا بعد، فإنّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التّى دعوتم إليها فنعمّاهى، وأمّا الطاعة

لصاحبكم فإنّا لا نراها، لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، وفرّق جماعتنا، وآوى ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنّه لم يقتله، فنحن لا نردّ عليه ذلك، فليدفع إلينا قتلة صاحبنا لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال شبث بن ربعىّ: يا معاوية أيسرّك أن تقتل عمّارا؟ قال «وما يمنعنى من ذلك؟ والله لو تمكّنت من ابن سميّة لقتلته بمولى عثمان !» فقال شبث: «والذى لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتّى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك!» فقال معاوية: «لو كان كذلك لكانت عليك أضيق!». وتفرّق القوم.

وبعث معاوية إلى زياد بن خصفة، فخلا به، وقال له: «يا أخا ربيعة، إنّ عليّا قطع أرحامنا، وقتل إمامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإنّى أسألك النصر عليه بعشيرتك، ثم لك عهد الله وميثاقه أن أولّيك إذا ظهرت أىّ المصرين أحببت». فقال زياد: «أمّا بعد، فإنى على بيّنة من ربّى، وبما أنعم الله علىّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين!» وقام فقال معاوية لعمرو بن العاص: ليس نكلّم رجلا منهم فيجيب إلى خير، ما قلوبهم إلّا كقلب واحد!.

وبعث معاوية إلى علىّ حبيب بن مسلمة الفهرىّ وشرحبيل بن السّمط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه، فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: «أمّا بعد فإنّ عثمان كان خليفة مهديّا، يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولّونه من أجمعوا عليه». فقال له علىّ رضى الله عنه: «ما أنت- لا أمّ لك- والعزل وهذا الأمر ؟ اسكت! لست هنالك ولا بأهل له». فقال؛: والله لترينّى بحيث تكره! فقال على: «وما أنت؟

لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا، اذهب فصوّب وصعّد ما بدالك!» وقال شرحبيل؛ «ما كلامى إلّا مثل كلام صاحبى، فهل عندك جواب غير هذا!» فقال علىّ نعم، عندى جواب غيره:.

ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: (أمّا بعد، فإنّ الله تعالى بعث محمدا بالحق، فأنقذ به من الضلالة والهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه، فاستخلف الناس أبا بكر، [ثم] استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة، وعدلا [فى الأمة]، وقد وجدنا عليهما أن

تولّيا الأمور [دوننا] ونحن آل رسول الله ﷺ، فغفرنا لهما ذلك، وولى الناس عثمان، فعمل بأشياء عابها الناس، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتانى الناس [وأنا معتزل أمورهم]، فقالوا لى: بايع. فأبيت، فقالوا: بايع فإنّ الأمّة لا ترضى إلّا بك، وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يتفرّق الناس. فبايعتهم، فلم يرعنى إلّا شقاق رجلين قد بايعانى! وخلاف معاوية الذى لم يجعل [الله ﷿ له] سابقة فى الدّين، ولا سلف صدق فى الإسلام، طليق ابن طليق، وحزب من الأحزاب، لم يزل حربا لله ولرسوله هو وأبوه حتّى دخلا فى الإسلام كارهين، ولا عجب إلّا من خلافكم معه، وانقيادكم له، وتتركون آل بيت نبيّكم الذين لا ينبغى لكم شقاقهم ولا خلافهم، ألا إنّى أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم وللمؤمنين».

فقالا: تشهد أنّ عثمان قتل مظلوما. قال: لا أقول «إنّه قتل ظالما أو مظلوما». قالا: من لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن منه براء. وانصرفا فقال علىّ رضى الله عنه: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ

عَنْ ضَلالَتِهِمْ، إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ

ثمّ قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء فى الجدّ فى ضلالهم أجدّ منكم فى الجدّ فى حقّكم.

قال: ولما انسلخ شهر الله المحرّم وانقضت مدّة الموادعة أمر علىّ رضى الله عنه مناديا فنادى: «يا أهل الشام، يقول لكم أمير المؤمنين: قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتنيبوا إليه، فلم تنتهوا عن الطّغيان، ولم تجيبوا إلى الحقّ، وإنى قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين».

قال: واجتمع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتّبان الكتائب ويعبئان الناس، وكذلك فعل علىّ رضى الله عنه.

وقال علىّ للناس: لا تقاتلوهم حتّى يقاتلوكم، فأنتم بحمد الله على حجّة، وترككم قتالهم [حتّى يبدءوكم] حجّة أخرى

فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا [إلّا بإذن]، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم [إلّا ما وجدتم فى عسكرهم]، ولا تهيجوا امرأة [بأذى]، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنّهنّ ضعاف القوى، والأنفس.

وحرّض أصحابه فقال رضى الله عنه: عباد الله، اتّقوا الله، وغضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة، فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

اللهمّ ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.

وأصبح علىّ رضى الله عنه فجعل على خيل الكوفة الأشتر، وعلى خيل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجّالة الكوفة عمّار بن ياسر، وعلى رجّالة البصرة قيس بن سعد بن عبادة، وهاشم بن عتبة بن أبى وقّاص المعروف بالمرقال وجعل معه الراية، وجعل مسعر بن فدكىّ على قرّاء أهل الكوفة وأهل البصرة.

وبعث معاوية على ميمنته ابن ذى الكلاع الحميرىّ، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهّرىّ، وعلى مقدّمته أبا الأعور السّلمى و [كان] على خيل دمشق، [و] عمرو بن العاص [على خيول الشام كلها] وعلى رجّالة دمشق مسلم بن عقبة المرى، وعلى [رجّالة] الناس كلهم الضحاك بن قيس.. وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم، فكانوا خمسة صفوف.

والتقوا أوّل يوم من صفر سنة سبع وثلاثين، وكان الذى خرج فى هذا اليوم الأشتر على أهل الكوفة، وحبيب بن مسلمة على أهل

الشام، فاقتتلوا عامّة النهار، ثمّ تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض.

ثمّ خرج فى اليوم الثانى هاشم بن عتبة فى خيل ورجال، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السّلمى، فاقتتلوا يومهم ذلك، ثمّ انصرفوا.

وخرج فى اليوم الثالث عمّار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتلوا أشدّ قتال، وقال عمّار لزياد بن النّضر وهو على الخيل: احمل على أهل الشام، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وحمل عمار فأزال عمرو بن العاص عن موضعه، وبارز يومئذ زياد بن النّضر أخاه لأمّه واسمه: عمرو بن معاوية من بنى المنتفق، فلمّا التقيا تعارفا، فانصرف كلّ واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس وخرج من الغد فى اليوم الرابع محمد بن علىّ، هو «ابن الحنفيّة» وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، فى جمعين عظيمين، فاقتتلوا أشدّ القتال، وأرسل عبيد الله إلى محمد يدعوه للمبارزة، فخرج إليه، فحرّك علىّ دابّته، وردّ ابنه، وبرز علىّ إلى عبيد الله، فرجع عبيد الله، وتراجع الناس.

وخرج فى اليوم الخامس عبد الله بن عبّاس، خرج إليه الوليد

لبن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وطلب ابن عبّاس الوليد ليبارزه فأبى، ثم انصرفا.

[وخرج فى اليوم السادس قيس بن سعد الأنصارى وخرج إليه ابن ذى الكلاع الحميرىّ، فاقتتلوا قتالا شديد، ثم انصرفوا.]

قال: ثم عاد الأشتر يوم الثلاثاء، وخرج إليه حبيب، فاقتتلا قتالا شديدا، وانصرفا عند الظهر.

ثم إنّ عليّا رضى الله عنه قال: حتّى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ فقام فى الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض، وما أبرم لم ينقضه الناقضون، ولو شاء الله ما اختلف اثنان من خلقه، ولا اختلفت الأمّة فى شىء، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فنحن بمرأى من ربّنا ومسمع، فلو شاء عجّل النّقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذب الظالم، ويعلم المحقّ أين مصيره، ولكنّه جعل الدّنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة دار القرار، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى

، ألا وإنكم لاقو القوم غدا،

فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله النصر والصبر، والقوهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين.

فقام القوم يصلحون سلاحهم، فمر بهم كعب بن جعيل فقال:

أصبحت الأمّة فى أمر عجبوالملك مجموع غدا لمن غلب
للشاعر كعب بن جعيل، اقرأ القصيدة
فقلت قولا صادقا غير كذب:إنّ غدا تهلك أعلام العرب!

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.