من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر الحروب التى كانت بصفين بعد الأيام الستة فى يومى الأربعاء والخميس وليلة الهرير ويوم الجمعة إلى أن رفعت المصاحف وتقرّر أمر الحكمين
قال: وعبّأ علىّ رضى الله عنه الناس ليلته حتّى الصباح، وزحف بالناس، وخرج إليه معاوية فى أهل الشام، فسأل علىّ عن القبائل من أهل الشام، فعرف مواقفهم، فقال للأزرد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم، وأمر كلّ قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، إلّا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى ليس بالعراق منهم أحد، مثل بجيلة، لم يكن بالشام منها أحد إلّا القليل، فصرفهم إلى لخم.
فتناهض الناس يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفوا عند المساء وكلّ غير غالب.
فلمّا كان يوم الخميس صلّى علىّ بغلس، وخرج بالناس إلى أهل الشام، وجعل علىّ رضى الله عنه على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعىّ (وله صحبة، وكان ممّن أسلم يوم الفتح، وقيل:
قبله)، وجعل على ميسرته عبد الله بن عبّاس، والقرّاء مع ثلاثة نفر: عمّار بن ياسر وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلىّ رضى الله عنه فى القلب فى أهل المدينة بين أهل الكوفة والبصرة، وأكثر من معه من أهل المدينة الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة.
وزحف علىّ رضى الله عنه بهم إلى أهل الشام، ورفع معاوية قبّة عظيمة، وألقى عليها الثياب، وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبّته خيل دمشق، وزحف عبد الله بن بديل فى الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو فى الميسرة، فلم يزل يحوزهم ويكشف خيلهم حتّى اضطرّهم إلى قبّة معاوية عند الظّهر.
وحرّض عبد الله بن بديل أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبىّ ﵊: ألا إنّ معاوية ادّعى ما ليس له، ونازع الحقّ أهله، وعاند من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، وصال عليكم، بالأعراب والأحزاب الذين زيّن لهم الضّلالة، وزرع فى قلوبهم حبّ الفتنة، ولبّس عليهم الأمر، وزادهم رجسا إلى رجسهم، وأنتم والله على الحق، على نور من ربكم وبرهان مبين،
فقاتلوا الطّغاة الجفاة قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
، قاتلوا الفئة الباغية الّذين نازعوا الأمر أهله، وقد قاتلتموهم مع رسول الله ﷺ، فو الله ما هم فى هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبرّ، قوموا إلى عدو الله وعدوّكم رحمكم الله.
وقال الشّعبى: كان عبد الله بن بديل ﵀ فى صفّين عليه درعان وسيفان، وكان يضرب أهل الشام ويقول:
لم يبق إلا الصبر والتوكلمع التمشى فى الرعيل الأول
مشى الجمال فى حياض المنهلوالله يقضى ما يشاء ويفعل
ولم يزل يضرب بسيفه حتّى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه وأزال أصحابه الذين كانوا معه. (وسنذكر خبر مقتله فى هذا اليوم فى موضعه إن شاء الله تعالى).
قال: وحرّض علىّ رضى الله عنه أصحابه، فقال رضى الله عنه فى كلام له: فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدّموا
الدّارع، وأخروا الحاسر، وعضّوا على الأضراس، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام، والتووا فى أطراف الرّماح، فإنّه أمور للأسنّة، وغضّوا الأبصار، فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات، فإنّه أطرد للفشل، وأولى بالوقار، راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلّا بأيدى شجعانكم واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل النصر.
قال: وقام يزيد بن قيس الأرحبىّ يحرّض الناس، فقال: إنّ المسلم من سلم فى دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله ما يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونو جبّارين فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم- لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا- لرموكم بمثل سعيد والوليد وابن عامر السّفيه الضّالّ، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده فى مجلسه، ثم يقول: «هذا لى ولا إثم علىّ»، كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمّه، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأرماحنا وسيوفنا، فقاتلوا
عباد الله القوم الظالمين، فإنّهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتم وخبرتم، والله ما ازدادوا إلى يومهم إلّا شرّا.
قال: ولما انتهى عبد الله بن بديل بمن معه إلى قبّة معاوية؛ أقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل فى الميمنة، وبعث الى حبيب بن مسلمة فحمل بالميسرة على ميمنة علىّ فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتّى لم يبق إلّا ابن بديل فى مائتين أو ثلاثمائة من القرّاء، قد استند بعضهم إلى بعض، وانجفل الناس.
وأمر علىّ سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من اهل المدينة، فاستقبلتهم جموع عظيمة لأهل الشام فاحتملتهم حتّى أوقفتهم فى الميمنة، وكان أهل اليمن فيما بين الميمنة إلى موقف علىّ فى القلب، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علىّ رضى الله عنه، فانصرف يمشى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة، وثبتت ربيعة، ودنا أهل الشام منه فما زاده قربهم إلا إسراعا وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علىّ رضى الله عنه معه، والنّبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلّا يقيه بنفسه، فبصر به أحمر مولى أبى سفيان أو عثمان، فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علىّ فاختلفا ضربتين، فقتله أحمر، فأخذ علىّ
بجنب درع أحمر فجذبه وحمله على عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه.
قال: ولما دنا منه أهل الشام قال له الحسن رضى الله عنه: ما ضرّك لو سعيت حتّى تنتهى إلى هؤلاء القوم من أصحابك؟ فقال: يا بنىّ إنّ لأبيك يوما لا يعدوه ولا يبطىء به عنه السّعى، ولا يعجّل به إليه المشى، إنّ أباك والله لا يبالى أوقع على الموت أم وقع الموت عليه! قال: ولما وصل إلى ربيعة نادى بصوت عال كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قالوا: رايات ربيعة. قال: بل رايات عصم الله أهلها، فصبّرهم وثبّت أقدامهم ... وقال لحضين بن المنذر: يا فتى ألا تدنى رايتك هذه ذراعا؟ قال؛ والله عشرة أذرع. فأدناها حتّى قال علىّ رضى الله عنه: حسبك مكانك.
قال ولمّا انتهى علىّ إلى ربيعة تنادوا بينهم: إن أصيب فيكم أمير المؤمنين وفيكم رجل حىّ افتضحتم فى العرب! فقاتلوا قتالا شديدا ما قاتلوا مثله، فلذلك قال على رضى الله عنه:
لمن راية سوداء يخفق ظلّهاإذا قيل «قدّمها حضين» تقدّما
ويقدمها فى الموت حتّى يزيرهاحياض المنايا تقطر الموت والدّما
أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنابأسيافنا حتّى تولّى وأحجما
جز الله قوما صابروا فى لقائهملدى الموت قوما ما أعفّ وأكرما!
وأطيب أخبارا وأكرم شيمةإذا كان أصوات الرّجال تغمغما
ربيعة أعنى أهل بأس ونجدةإذا ماهمو لاقوا خميسا عرمرما
قال: ومرّ الأشتر بعلىّ وهو يقصد الميسرة، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علىّ: إيت هؤلاء القوم فقل لهم «أين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه إلى الحياة التى لا تبقى لكم؟».
فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم ما قال علىّ، ثم قال: «أيّها الناس أنا الأشتر، إلىّ أنا الأشتر»، فأقبل
إليه بعضم وذهب البعض، فنادى: «أيّها الناس، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أخلصوا إلىّ مذحجا » فأقبلت مذحج إليه، فقال لهم: «ما أرضيتم ربّكم، ولا نصحتم له فى عدوّكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصياح، وفرسان الطّراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطّعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطلّ دماوهم، وما تفعلون هذا اليوم فإنه مأثور عنكم بعده، فانصحوا واصدقوا عدوّكم اللقاء، فإن الله مع الصادقين، والذى نفسى بيده ما من هؤلاء- وأشار إلى أهل الشام- رجلّ على مثل جناح بعوضة من محمد، اجلوا سواد وجهى يرجع فيه دمه، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فضّه تبعه من بجانبيه!». قالوا: تجدنا حيث أحببت. فقصد نحو عظمهم ممّا يلى الميمنة يزحف إليهم ويردّهم.
واستقبله شباب من همدان، وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ، وكانوا صبروا فى الميمنة حتّى أصبب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسا: كان أوّلهم ذؤيب بن شريح، ثم
شرحبيل، ثم مرثد، ثم هبيرة، ثم يريم، ثم سمير، أولاد شريح قتلوا، ثم أخذ الراية عميرة ثم الحارث ابنا بشير فقتلا، ثم أخذها سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا جميعا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب فانصرف هو وقومه وهم يقولون: «ليت لنا عدّتنا من العرب، يحالفوننا على الموت، ثمّ نرجع، فلا ننصرف أو نقتل أو نظفر!»، فسمعهم الأشتر فقال لهم: أنا أحالفكم لى ألّا نرجع أبدا حتّى نظفر أو نهلك جميعا! فوقفوا معه.
قال: وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم، فلم يقصد كتيبة إلّا كشفها، ولا جمعا إلّا حازه وردّه، وقاتل قتالا شديدا، ولزمه الحارث بن جمهان الجعفىّ، فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتّى كشف أهل الشام، وألحقهم بمعاوية والصفّ الذى معه، وذلك بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل بن ورقاء وهو فى عصابة من القرّاء نحو المائتين أو الثلاثمائة قد لصقوا بالأرض كأنّهم
جثا، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم، فقالوا:
ما فعل أمير المؤمنين (قال: حىّ صالح فى الميسرة يقاتل الناس أمامه.
فقالوا: الحمد لله قد كنّا ظننّا أن قد هلك وهلكتم. ثم قال عبد الله بن بديل ﵀ [لأصحابه]: استقدموا بنا. فقال له الأشتر:
«لا تفعل، واثبت مع الناس، فقاتل، فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك»، فأبى، ومضى نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال، وخرج عبد الله أمام أصحابه فقتل من دنا منه، حتّى قتل جماعة، ودنا من معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتّى قتل، وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة منهم مجرحين، فبعث الأشتر الحارث بن جمهان الجعفىّ، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله، حتّى نفّسوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر.
وحكى أبو عمر ابن عبد البر عن الشعبى فى قتل عبد الله: أنّه لما انتهى إلى معاوية أزاله وأزال أصحابه عن مواقفهم، وكان مع معاوية يومئذ عبد الله بن عامر، فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرجمونه بالحجارة حتّى أثخنوه، وقتل، فأقبل معاوية وعبد الله بن عامر معه، فألقى عليه ابن عامر عمامته غطّى بها وجهه، وترحّم عليه، فقال معاوية: اكشفوا وجهه. فقال ابن عامر: والله لا تمثل به وفىّ روح! فقال معاوية: اكشفوا عن وجهه فقد وهبناه لك. ففعلوا،
فقال معاوية: هذا كبش القوم ورب الكعبه، اللهم أظفر بالأشتر والأشعث بن قيس، والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّهاوإن شمّرت يوما به الحرب شمّرا
كليث هزبر كان يحمى ذمارهرمته المنايا قصدها فتقطّرا
ثمّ قال معاوية: إنّ نساء خزاعة لو قدرت أن تقاتلنى فضلا عن رجالها لفعلت. انتهى كلام الشّعبى.
قال: وزحف الأشتر لعكّ والأشعريّين، وقال لمذحج: اكفو ناعكّا.
ووقف فى همدان وقال لكندة: اكفونا الأشعريّين. فاقتتلوا قتالا شديدا إلى المساء، وقاتلهم الأشتر فى همدان وطوائف من الناس، فما زال أهل الشام عن مواضعهم حتى ألحقوهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل عليهم حملة أخرى فصرع أربعة صفوف من المعقّلين بالعمائم.
ودعا معاوية بفرسه فركبه، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة وكان جاهليا:
أبت لى عفّتى وأبى بلائىوإقدامى على البطل المشيح
وإعطائى على المكروه مالىوأخذى الحمد بالثّمن الرّبيح
وقولى كلّما جشأت وجاشت:مكانك تحمدى أو تستريحى
قال: فمنعنى هذا القول من الفرار، ونظر إلى عمرو فقال له: «اليوم صبر، وغدا فخر». فقال: صدقت.
قال: وتقدم عقبة بن حديد النميرى وهو يقول: «ألا إن مرعى الدّنيا أصبح هشيما، وشجرها حصيدا، وجديدها سملا، وحلوها مرّ المذاق، وإنى قد سئمت الدنيا، وإنّى أتمنى الشهادة وأتعرض لها فى كل جيش وغارة، فأبى الله إلا أن يبلغنى هذا اليوم، وإنّى متعرّض لها من ساعتى هذه، وقد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله! (فى كلام طويل)، وقال: يا إخوتى، قد بعت هذه الدار بالّتى أمامها، وهذا وجهى إليها! فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا:
لا نطلب رزق الدنيا بعدك! فقاتلوا حتى قتلوا، وهم من أصحاب علىّ.
وكان ممن قتل فى هذا اليوم من أصحاب علىّ أبو شداد قيس ابن المكشوح، واسم المكشوح: هبيرة بن هلال (عند
أكثرهم)، وكان قيس يومئذ صاحب راية بجيلة، وذلك أن بجيلة قالت له: يا أبا شداد خذ رايتنا اليوم. فقال: غيرى خير لكم.
قالوا: ما نريد غيرك. قال فو الله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى بكم دون صاحب الترس المذهب (وكان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستر به معاوية من الشمس)، قالوا: اصنع ما شئت.
فأخذ الراية ثم زحف بها، فجعل يطاعنهم حتى انتهى إلى صاحب التّرس، وكان فى خيل عظيمة، فاقتتل الناس قتالا شديدا، وشد أبو شداد على صاحب التّرس- وقيل: كان صاحب التّرس المذهب عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- فاعترضه دونه مولّى رومىّ لمعاوية، فضرب قدم أبى شدّاد فقطعها، وضربه أبو شدّاد فقتله، وأشرعت إليه الرماح فقتلوه، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسى، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل فى يده حتى تحاجز الناس.. وقتل غير هؤلاء ممن له صحبة.
قال: وخرجت حمير فى جمعها ومن انضم إليها من أهل الشام، وتقدمهم ذو الكلاع، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهم ميمنة أهل الشام، فقصدوا ربيعة من أهل العراق، وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عبّاس، فحملوا على ربيعة حملة شديدة، فتضعضعت راية ربيعة، وكانت الراية مع أبى ساسان حضين بن المنذر، فانصرف أهل الشام عنهم، ثم كر عبيد الله
ابن عمر وقال: يا أهل الشام، إن هذا الحى من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علىّ، فشدوا على الناس شدّة عظيمة، فثبتت ربيعة وصبرت صبرا حسنا إلّا قليلا من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ وقاتلوا قتالا حسنا، ثم تراجع من انهزم من ربيعة، واشتد القتال حتّى كثرت القتلى، فقتل سمير بن الريان العجلىّ، وكان شديد البأس، وأتى زياد بن خصفة عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير، وقال: يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم! فقاتلوا معهم، فقتل ذو الكلاع الحميرى وعبيد الله بن عمر ابن الخطاب، وجرح عمّار بن ياسر فقال: «اللهمّ إنّك تعلم [أنّى] لو أعلم أن رضاك فى أن أضع ظبة سيفى فى بطنى ثم أنحنى عليها حتّى تخرج من ظهرى لفعلته! وإنّى لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته! والله إنّى لأرى قوما ليضربنّكم ضربا يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنّهم على الباطل!» ثم قال: «من يبتغى رضوان ربّه فلا يرجع إلى مال ولا ولد!» فأتاه عصابة فقال:
«اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب
بدمه، ولكنّهم ذاقوا الدنيا واستحبّوها، وعلموا أنّ الحقّ إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه منها، ولم تكن لهم سابقة يستحقّون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، فبلغوا ما ترون، ولولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان، اللهمّ إن تنصرنا فطال ما نصرت، وإن جعلت لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا فى عبادك العذاب الأليم!» ثم مضى ومعه تلك العصابة، فكان لا يمرّ بواد من أودية صفّين إلّا تبعه من كان هناك من أصحاب النبىّ ﷺ.
ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص- وهو المرقال- وكان صاحب راية علىّ رضى الله عنه، فقال: «يا هاشم، أعورا وجبنا؟
لا خير فى أعور لا يغشى البأس، اركب يا هاشم». فركب معه وهو يقول.
أعور يبغى أهله محلّاقد عالج الحياة حتّى ملّا
لا بدّ أن يفلّ أو يفلّايتلّهم بذى الكعوب تلّا
وعمّار يقول: «تقدّم يا هاشم، الجنّة تحت ظلال السيوف،
والموت [فى] أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزيّنت الحور العين، اليوم ألقى الأحبّه، محمّدا وحزبه !» وتقدّم حتّى دنا من عمرو بن العاص، فقال له: «يا عمرو، بعت دينك بمصر! تبّا لك! تبّا لك!» فقال: لا ولكن أطلب دم عثمان. قال: «أشهد على علمى فيك إنّك لا تطلب بشىء من فعلك وجه الله، وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطى الناس على نيّاتهم ما نيّتك؟ لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله ﷺ، وهذا الرابعة ما هى بأبرّ ولا أتقى!».
ثم قاتل عمّار فلم يرجع، وقتل، وقال قبل أن يقتل: إيتونى بآخر رزق لى من الدنيا! فأتى بضياح من لبن فى قدح،
وكان رسول الله ﷺ قال: «تقتل عمارا الفئة الباغية، وإنّ آخر رزقه ضياح من لبن»
(والضياح)؛ الممزوج بالماء من اللبن.
قال: وقتلة أبو الغاديه، واحتزّ رأسه ابن حوىّ
السّكسكىّ،
وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﵊ لعمّار «تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن »
. فكان ذو الكلاع يقول لعمرو:
ما هذا ويحك يا عمرو! فيقول: إنّه يرجع إلينا، فقتل ذو الكلاع قبل عمّار مع معاوية، وأصيب عمّار بعده مع على، فقال عمرو لمعاوية: «والله ما أدرى بقتل أيّهما أنا أشدّ فرحا: بقتل عمّار أو بقتل ذى الكلاع، والله لو بقى بعد قتل عمّار لمال بعامّة أهل الشّام إلى علىّ!». فأتى جماعة إلى معاوية، كلّهم يقول: «أنا قتلت عمارا»، فيقول عمرو: فما سمعته يقول؟ فيخلطون، فأتاه ابن حوىّ فقال: أنا قتلته فسمعته يقول «اليوم ألقى الأحبّه، محمّدا وحزبه». فقال له عمرو: أنت صاحبه. ثم قال «رويدا، والله ما ظفرت يداك، ولقد أسخطت ربّك!».
وقيل: إنّ أبا الغادية قتل عمّارا وعاش إلى زمن الحجّاج، فدخل عليه، فأكرمه الحجّاج وقال: أنت قتلت ابن سميّة؟ (يعنى عمارا) قال: نعم. قال: من سرّه أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذى قتل ابن سميّة. ثم سأله أبو الغادية حاجة فلم يجبه إليها، فقال: نوطّىء لهم الدنيا ولا يصلونا منها
ويزعم أنّى عظيم الباع يوم القيامة! [فقال الحجّاج]: أجل والله من كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل جبل ورقان، ومجلسه مثل المدينة والرّبذة، لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أنّ عمّارا قتله أهل الأرض لدخلوا كلّهم النار!.
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: لمّا قتل عمّار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا- وكنّا إذا تركنا القتال تحدّثوا إلينا وتحدثنا إليهم- فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله ابن عمرو يتسايرون، فأدخلت فرسى بينهم لئلّا يفوتنى ما يقولون، فقال عبد الله بن عمرو لأبيه: يا أبت قتلتم هذا الرجل فى يومكم هذا وقد قال رسول الله ما قال! قال وما قال؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون فى بناء مسجد النبىّ ﷺ لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين؟ فغشى عليه، فأتاه رسول الله ﵊، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول «ويحك يا ابن سميّة! الناس ينقلون لبنة لبنة، وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة فى الأجر، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية!». فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟
فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنّما قتله من جاء به! قال فخرج الناس من أخبيتهم وفساطيطهم يقولون. إنّما قتله من جاء به. فلا أدرى من كان أعجب؟: أهو أم هم؟.
قال: ولمّا قتل عمار قال علىّ رضى الله عنه لربيعة: أنتم درعى ورمحى.
فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، وتقدمهم علىّ على بغلة، فحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفّ إلا انتقض، وقتلوا كلّ من انتهوا إليه، حتّى بلغوا معاوية، فناداه علىّ: فقال علام يقتل الناس بيننا؟ هلمّ أحاكمك إلى الله، فأيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور. فقال عمرو: أنصفك. فقال معاوية لعمرو:
ما أنصفت، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله. فقال عمرو ما يحسن بك ترك مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدى!.
قال: وكان أصحاب على قد وكلوا به رجلين يحفظانه، لئلا يقاتل، فكان يحمل إذا غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل مرّة فلم يرجع حتّى انثنى سيفه، فألقاه إليهم، وقال لولا أنّه انثنى ما رجعت إليكم. فقال الأعمش لأبى عبد الرحمن:
هذا والله ضرب غير مرتاب!.
قال: وأما هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص فإنّه دعا الناس عند المساء وقال: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلىّ. فأقبل إليه الناس، فحمل على أهل الشام مرارا، ويصبرون له، وقاتل قتالا شديدا، وقال لأصحابه: «لا يهولنّكم ما ترون من صبرهم، فو الله ما هو إلّا حميّة العرب وصبرها تحت راياتها، وإنهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحق» ثم حرّض أصحابه، وحمل فى عصابة من القرّاء فقاتل قتالا شديدا، فقتل يومئذ تسعة أو عشرة، وحمل عليه الحارث ابن المنذر التّنوخى، فطعنه فسقط، وأرسل إليه علىّ: أن قدّم
لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطنى! فنظر إليه، فإذا هو قد انشق! قال: ومرّ علىّ بكتيبة من أهل الشّام فرآهم لا يزولون [عن موقفهم] - وهم غسّان- فقال: «إنّ هؤلاء لا يزولون إلّا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد، أين أهل النصر والصبر وطلّاب الأجر؟» فأتاه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدا فقال: «تقدّم نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك، حتّى إذا أشرعت فى صدورهم الرّماح فأمسك حتّى يأتيك أمرى».
ففعل، وأعد [لهم] علىّ مثلهم وسيرّهم إلى ابنه محمد، وأمره بقتالهم، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالا.
قال: ومرّ الأسود بن قيس المرادى بعبد الله بن كعب [المرادى] وهو صريع، فقال له عبد الله: يا أسود. قال:
لبّيك. وعرفه ونزل إليه وقال له: «عزّ علىّ مصرعك!
إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا! أوصنى رحمك الله!» قال: «أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المخلين، حتّى يظهر أو يلحق بالله، وأبلغه عنّى السلام وقل له: قاتل على المعركة حتّى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالى».
ثمّ لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علىّ فأخبره، فقال: «﵀! جاهد عدوّنا فى الحياة، ونصح لنا فى الوفاة!» .. وقيل:
إن الذى أشار على علىّ بهذا عبد الرحمن بن حنبل الجمحى.
قال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها إلى الصباح، وهى ليلة الهرير، فتطاعنوا حتى تقصّفت الرّماح، وتراموا حتى نفد النّبل، وأخذوا السيوف، وعلى يسير بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلّ كتيبة أن أن تقدّم على التى تليها، فلم يزل يفعل ذلك حتّى أصبح، والمعركة كلّها خلف ظهره، والأشتر فى الميمنة، وابن عباس، فى الميسرة وعلىّ فى القلب، والناس يقتتلون من كل جانب (وذلك يوم الجمعة) وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة، وكان قد تولاها عشيّة الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وهو يقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح. ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك
بهم قال: ازحفوا قيد هذا القوس. فإذا فعلوه سألهم مثل ذلك، حتّى ملّ أكثر الناس الإقدام، فلما رأى الأشتر ذلك دعا بفرسه فركبه وترك رايته مع حيان بن هوذة النّخعى، وخرج يسير فى الكتائب ويقول: من يشرى نفسه ويقاتل مع الأشتر [حتّى] يظهر أو يلحق بالله؟ فاجتمع إليه جمع كثير، فيهم حيّان بن هوذة النخعى وغيره، فرجع بهم إلى المكان الذى كان فيه، وقال لهم: «شدّوا شدّة- فدى لكم خالى وعمّى- ترضون بها الربّ، وتعزّون بها الدين» ثمّ نزل فضرب وجه دابّته، وقال لصاحب رايته: أقدم بها.
وحمل بالقوم فضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى عسكرهم، فقاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، وقتل صاحب رايته، فلمّا رأى علىّ الظّفر من ناحيته أمدّه بالرجال.
فقال عمرو لوردان: تدرى ما مثلى ومثلك ومثل الأشتر؟
قال: لا. قال «كالأشقر إن تقدّم عقر وإن تأخّر عقر ! لئن تأخّرت لأضربنّ عنقك!» قال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنّك حياض الموت ضع يدك على عاتقى. ثم جعل يتقدّم ويتقدم ويقول:
والله لأوردنّك حياض الموت. واشتد القتال.
فلمّا رأى عمرو أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف الهلاك،
قال لمعاوية: هل لك فى أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلّا اجتماعا ولا يزيدهم إلّا فرقة؟ قال: نعم. قال: «نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها هذا حكم الله بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغى لنا أن نقبل. فتكون فرقة بينهم، فإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنّا إلى أجل».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع