تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ارسال على الى معاوية وجوابه

قال: ثمّ دعا علىّ رضى الله عنه أبا عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصارى وسعيد بن قيس الهمدانى وشبث بن ربعىّ التميمى، فقال لهم: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث يا أمير المؤمنين ألا نطمعه فى سلطان توليه إيّاه ومنزلة يكون له بها عندك أثرة إن هو بايعك؟ قال انطلقوا إليه واحتجّوا عليه وانظروا ما رأيه. وكان ذلك أوّل ذى الحجة من سنة ست وثلاثين.

فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصارىّ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معاوية إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإنّ الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإنى أنشدك الله أن لا تفرّق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها بينها».

فقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال «صاحبى ليس مثلك، إنّ صاحبى أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر فى الفضل والدّين والسابقة فى الاسلام والقرابة بالرسول ﷺ» قال: فماذا تقول ؟ قال نأمرك بتقوى الله وإجابة ابن عمّك إلى ما يدعو إليه من الحق فإنّه أسلم لك فى دنياك وخير لك فى عاقبة أمرك. قال معاوية: «ونترك دم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبدا!» قال: فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبادره شبث بن

ربعىّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معاوية، قد فهمت ما رددت على ابن محصن، وإنّه والله لا يخفى علينا ما تطلب، إنك لم تجد شيئا تستغوى به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أنك أبطأت عليه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التى أصبحت تطلب، وربّ متمنّى أمر وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتى المتمنى أمنيته وفوق أمنيّته، وو الله مالك فى واحدة منها خير، والله إن أخطاك ما ترجو إنّك لشرّ العرب حالا، وإن أصبت ما تتمنّاه لا تصيبه حتّى تستحقّ من ربّك صلّى النار، فاتّق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله».

قال: محمد الله معاوية، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ أوّل ما عرفت به سفهك وخفّة حلمك أنّك قطعت على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقه، ثمّ اعترضت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيّها الأعرابىّ الجلف الجافى فى كلّ ما ذكرت ووصفت!.

انصرفوا من عندى فليس بينى وبينكم إلّا السّيف!» وغضب، وخرج القوم، فقال له شبث «أتهول بالسّيف؟ أقسم بالله لنعجّلنّها إليك!».

فأتوا عليّا رضى الله عنه فأخبروه بذلك. فكان علىّ يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه، ويخرج إليه آخر

من أصحاب معاوية ومعه جماعة، فيقتتلان فى خيلهما، ثمّ ينصرفان.

وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام خشية الاستئصال والهلاك.

فكان علىّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حجر بن عدىّ الكندى، ومرة شبث بن ربعىّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النّضر الحارثى، ومرّة زياد بن خصفة التّيمىّ، ومرّة سعيد بن قيس الهمدانى، ومرّة معقل بن قيس الرّياحى، ومرّة قيس بن سعيد الأنصارى. وكان الأشتر أكثر خروجا.

وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السّلمى، وحبيب بن مسلمة الفهرى، وابن ذى الكلاع الحميرى، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السّمط الكندى، وحمزة بن مالك الهمدانى.

فاقتتلوا أيّام ذى الحجّة كلّها، وربّما اقتتلوا فى اليوم الواحد مرّتين.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.