من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر اجتماع الحكمين
قال. ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علىّ رضى الله عنه أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانىء الحارثى، وأرسل عبد الله بن عباس يصلى بهم ويلى أمورهم، ومعهم أبو موسى الأشعرى. وأرسل معاوية عمرو بن العاص فى أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا من دومة الجندل بأذرح وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدرى أحد ما جاء فيه، ولا يسأله أهل الشام عن شىء، وكان أهل العراق يسألون ابن عبّاس عن كلّ كتاب يصل إليه من علىّ، فإن كتمه ظنّوا به الظّنون وقالوا: نراه كتب بكذا وكذا، فقال لهم ابن عبّاس رضى الله عنه:
«أما تعقلون، أما ترون رسول معاوية يجىء فلا يعلم أحد ما جاء به ولا يسمع لهم صياح؟ وأنتم عندى كلّ يوم تظنّون الظّنون».
قال وحضر معهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرحمن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهرى، وأبو جهم بن حذيفة العدوى، والمغيرة بن شعبة. وكان سعد بن أبى وقّاص على ماء لبنى سليم بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال له: «إنّ أبا موسى وعمرا
قد شهدهم نفر من قريش فاحضر معهم، فإنّك صاحب رسول الله ﷺ وأحد أصحاب الشّورى، ولم تدخل فى شىء كرهته هذه الأمّة، وأنت أحقّ الناس بالخلافة» فلم يفعل، وقيل:
بل حضرهم سعد وندم على حضوره، فأحرم بعمرة من بيت المقدس.
قال: ولما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص؛ يا أبا موسى ألست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما، قال أشهد. قال: ألست تعلم أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى.. قال: «فما يمنعك منه وبيته فى قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة فقل: وجدته ولىّ عثمان الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبىّ ﵊، وكاتبه، وقد صحبه» وعرّض له عمرو بسلطان، فقال أبو موسى: «يا عمرو، اتّق الله! أمّا ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولّاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصّبّاح، إنّما هو لأهل الدّين والفضل، مع أنى لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب، وأمّا قولك إنّ معاوية ولىّ دم عثمان فولّه هذا الأمر، فلم أكن لأولّيه معاوية وأدع المهاجرين الأوّلين، وأمّا تعريضك لى بالسلطان؛ فو الله لو خرج لى معاوية من سلطانه كلّه ما ولّيته، وما كنت لأرتشى فى حكم الله،
ولكنك إن شئت أن تحيى اسم عمر بن الخطاب» قال له عمرو: فما يمنعك من ابنى عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال له:
إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته فى هذه الفتنة. فقال عمرو:
إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم. وكانت فى ابن عمر غفلة، فقال له: ابن الزبير: افطن وانتبه، فقال: والله لا أرشو عليها شيئا أبدا. وقال: يا ابن العاص إنّ العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعوا بالسيوف فلا تردّنّهم فى فتنة.
وكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه فى الكلام، يقول له:
أنت صاحب رسول الله ﷺ وأسنّ منّى فتكلم. فتعوّد ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كلّه أن يقدّمه فى خلع على.
فلمّا أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى، وأراد أبو موسى عمرا على ابن عمر فأبى عمرو، قال له عمرو: خبّرنى ما رأيك؟ قال: «أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبّوا». فقال عمرو: الرأى ما رأيت.
فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، تقدم يا أبا موسى. فتقدّم أبو موسى، فقال له ابن عباس:
«ويحك! والله إنى لأظنّه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فتقدّمه فليتكلّم به قبلك، فإنه رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك
الرضى بينكما، فإذا قمت فى الناس خالفك!» وكان أبو موسى مغفّلا، فقال: إنا قد اتفقنا، فتقدّم فقال: «أيّها الناس، إنّا قد نظرنا فى أمر هذه الأمّة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من [أمر] قد أجمع رأيى ورأى عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولّى الناس أمرهم من أحبّوا، وإنى خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه أهلا». ثم تنحّى، وأقبل عمرو فقام وقال:
«إن هذا قد قال ما سمعتموه، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبّت صاحبى معاوية، فإنه ولىّ عثمان بن عفّان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه»، فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايدة! فقال أبو موسى: فما أصنع؟ وافقنى على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عبّاس: لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لمن قدّمك فى هذه المقام! قال: غدر فما أصنع؟ قال ابن عمر [انظروا] إلى ما صار أمر هذه الأمة: إلى رجل لا يبالى ما صنع وآخر ضعيف. وقال عبد الرحمن بن أبى بكر: لو مات الأشعرىّ قبل هذا اليوم كان خيرا له. وقال أبو موسى لعمرو: «لا وفّقك الله، غدرت وفجرت، [إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» فقال له عمرو:] إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
قال: والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى مكة، ثم انصرف
عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علىّ رضى الله عنه، فكان علىّ إذا صلّى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن ابن خالد والضحاك بن قيس والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليّا وابن عبّاس والحسن والحسين والأشتر.
وقيل: إن معاوية حضر الحكمين، وأنه قام عشية فى الناس فقال: أما بعد، من كان متكلما فى هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. قال ابن عمر: فأطلقت حبوتى وأردت أن أقول: «يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام» فخشيت أن أقول كلمة تفرّق الجماعة ويسفك بها دم، فكان ما وعد الله فى الجنان أحبّ إلى من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءنى حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت. فقال حبيب:
وفّقت وعصمت. وقد ورد ذلك فى الصحيح.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع