من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عروة بن أدية وأخيه مرداس بن أدية وغيرهما من الخوارج
قال: وفى سنة ثمان وخمسين اشتدّ عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم جماعة كثيرة، منهم عروة بن أديّة وكان سبب قتله أن عبيد الله بن زياد خرج فى رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس إليه، وفيهم عروة بن أديّة وهو أخو مرداس بن أديّة، وأديّة أمهما وأبوهما، جدير وهو نميمى، فأقبل عروة على زياد يعظه، فكان ممّا قال له: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
قال: فلما قال له ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يقله إلّا ومعه جماعة فركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ليقتلنّك. فاختفى، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة، فأخذ وأتى به إلى ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتله وقتل ابنته.
وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر فى الخوارج
وشهد صفّين مع علىّ فأنكر التحكيم، وشهد النّهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه.
وكانت البثجاء امرأة من بنى يربوع- تحرّض على ابن زياد وتذكر تجبّره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التّقيّة لا بأس بها فتغيبى فإن هذا الجبار قد ذكرك. فقالت: أخشى أن يلقى أحد بسببى مكروها، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها ورماها فى السوق، فمرّ بها أبو بلال فعض على لحيته وقال: «لهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس! ما ميتة أموتها أحبّ إلىّ من ميتة البثجاء!».
ومرّ أبو بلال ببعير قد طلى بقطران فغشى عليه، ثم أفاق فتلا:
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
ثم إن ابن زياد ألح فى طلب الخوارج حتى ملأ منهم السجون.
وحبس أبا بلال مرداس بن أديّة، فرأى السجان عبادته، فأذن له كل ليلة فى إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلا ويعود إلى السجن مع الصبح، وكان لمرداس صديق يسامر ابن زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم [إذا أصبح]، فانطلق صديق مرداس إليه وأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفا أنه لا يرجع،
فعاد على عادته، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليه الأمير؟
قال: بلى، قال: وكيف أتيت؟ قال: لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب [بسببى] وأصبح ابن زياد فقتلهم، فلما أحضر مرداس قام السجان- وكان ظئرا لعبيد الله- فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلّى سبيله.
ثم خاف من ابن زياد، فخرج فى أربعين رجلا إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ثم يردّ الباقى، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم أسلم بن زرعة الكلابى، وقيل: أبو الحصين التيمى، وكان الجيش ألفى رجل، وذلك فى سنة ستين، فلما أتوه ناشدهم أبو بلال الله أن ينصرفوا عنه، فأبو ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالوا أتردّنا إلى ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: قد بدءوكم بالقتال. فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدّة رجل واحد، فهزموهم، فقدموا البصرة، فلامه ابن زياد على ذلك، وقال: «هزمك أربعون وأنت فى ألفين؟ لا خير فيك!» فقال: لأن تلومنى وأنا حىّ خير من أن تثنى علىّ وأنا ميت وكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به: «أبو بلال وراءك». فشكا ذلك إلى ابن زياد، فنهاهم، فانتهوا.
وقال رجل من الخوارج:
أألفا مؤمن منكم زعمتمويقتلهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتمولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتمعلى الفئة الكثيرة ينصرونا
هذا ما كان من أخبار الخوارج، فلنذكر حوادث السنين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع