تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر خراسان وما كان من أمر سلم بن زياد وبيعته وخبر عبد الله بن خازم

كان من خبر خراسان أنه لما بلغ سلم بن زياد وهو العامل عليها موت يزيد بن معاوية كتم ذلك، فقال له ابن عرادة:

يأيها الملك المغلّق بابهحدثت أمور شأنهن عظيم
قتلى بحرّة والذين بكابلوزيد أعلن شأنه المكتوم
أبنى أمية إن آخر ملككمجسد بجوّازين ثمّ مقيم
طرقت منيّته وعند وسادهكوب وزق راعف مرثوم
ومرنّة تبكى على نشواتهبالصنج تقعد مرة وتقوم

فلما ظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتّى تستقيم أمور الناس على خليفة، فبايعوه، ثم نكثوا به بعد شهرين، فلمّا خلعوه خرج عنهم واستخلف المهلّب بن أبى صفرة، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بنى قيس بن ثعلبة بن ربيعة، فقال له: أضاقت عليك نزار حتى خلّفت على خراسان رجلا من اليمن، يعنى المهلب. فولاه مرو الرّوز، والفارياب، والطالقان، والجزجان. وولّى أوس بن ثعلبة ابن زفرر (وهو صاحب قصر أوس بالبصرة) هراة، فلما وصل سلم إلى نيسابور لقيه عبد الله بن حازم، فقال له: من وليت خراسان؟

فأخبره فقال: «أما وجدت من مضر من تستعلمه، حتى فرّقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن! اكتب لى عهدا على خراسان»؛ فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم.

وسار ابن خازم إلى مرو، وبلغ خبره المهلّب، فأقبل فاستخلف رجلا من بنى جشم بن سعد بن زيد مناه بن تميم، فلمّا وصلها ابن خازم منعه الجشمىّ، وجرت بينهما مناوشة، فأصابت الجثمىّ رمية فى جبهته، وتحاجزا، ودخلهما ابن خازم، ومات الجثمىّ بعد ذلك بيومين.

ثم سار ابن خازم إلى مرو فقاتله سليمان بن مرثد أياما، فقتل سليمان، ثم سار بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطّالقان فاقتتلوا فقتل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع ابن خازم إلى مرو.

وهرب من كان بمرو الرّوذ من بكر بن وائل إلى هراة، وانضمّ إليها من كان بكور خراسان من بكر، فكثر جمعهم، وقالوا لأوس ابن ثعلبة: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان، فأبى عليهم فهمّوا بمبايعة غيره، فأجابهم، فبايعوه، فسار إليهم ابن خازم فنزل على واد بينه وبين هراة، فأشار البكريّون بالخروج من هراة وعمل خندق، فقال أوس:

بل نلزم المدينة فإنها حصينة، وأطاول ابن خازم ليضجر ويعطينا ما نريد، فأبوا عليه، وخرجوا فخندقوا خندقا. وقاتلهم ابن خازم نحو سنة.

فنادى هلال الضّبىّ وهو من أصحابه فقال: «إنما تقاتل إخوتك وبنى أبيك، فإن نلت منهم الذى تريد فما فى العيش خير، فلو أعطيتهم شيئا يرضون به، وأصلحت هذا الأمر!» فقال: والله لو خرجنا إليهم عن خراسان ما رضوا » ! فقال هلال: لا والله

لا أقاتل معك أنا ولا رجل يطيعنى حتى تعذر إليهم! قال. فأنت رسولى إليهم فأرضهم.

فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة، فناشده الله والقرابة فى نزار، وأن يحفظ دماءها، فقال: هل لقيت بنى صهيب: قال: لا، قال:

فالقهم. وبنو صهيب هم موالى بنى جحدر، وهم الذين ألزموا أوس ابن ثعلبة بالقتال، فخرج هلال من عند أوس فلقى جماعة من رؤساء أصحابه، فأخبرهم ما أتى له، فقالوا له: هل لقيت بنى صهيب؟ فقال: لقد عظم أمر بنى صهيب عندكم! فأتاهم يكلّمهم، فقالوا: والله لولا أنك رسول لقتلناك. قال: فما يرضيكم شىء؟

قالوا: «واحد من اثنين؛ إما أن تخرجوا من خراسان، وإما أن تقيموا وتخرجوا لنا كل سلاح وكراع وذهب وفضة».

فرجع هلال إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ فأخبره الخبر فقال: إن ربيعة لم تزل غضابا على ربّها منذ بعث نبيه من مضر!.

وأقام ابن خازم يقاتلهم، فلما طال مقامه ناداهم يوما؛ يا معشر ربيعة، أرضيتم بنى من خراسان بخندقكم؟! فأحفظهم ذلك، فتنادوا للقتال، فنهاهم أوس عن الخروج بجماعتهم، فعصوه، وخرجوا، فقاتلوا ساعة، ثم انهزموا، حتّى انتهوا إلى خندقهم، وتفرّقوا يمينا وشمالا، وسقطوا فى الخندق، وقتلوا قتلا ذريعا، وهرب أوس بن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير

يومه ذلك إلا قتله وسار أوس بن ثعلبة إلى سجستان فمات بها أو قريبا منها، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف، وغلب ابن حازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردىّ، وجعل بكير بن وشاح الثّقفىّ على شرطته، ورجع ابن خازم إلى مرو.

وفى هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الرّى، وكان عليهم الفرّخان الرازى، فوجه إليهم عامر بن مسعود وهو أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى الدّارمى فهزمه أهل الرىّ، فبعث إليهم عامر عتّاب بن ورقاء التميمىّ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الفرّخان وانهزم المشركون.

هذا ما كان من أخبار العراق وخراسان بعد وفاة يزيد، فلنذكر أخبار عبد الله بن الزبير، وما تخلل أيامه من أخبار غيره التى حدثت فى أعماله.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.