من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل مسعود بن عمرو الأزدى وهرب عبيد الله بن زياد إلى الشام
قال: ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذى كان بينهم، وأنفق ابن زياد ما لا كثيرا فيهم حتّى تمّ الحلف، وكنبوا بينهم بذلك كتابين، فلمّا تحالفوا اتفقوا على أن يردّوا ابن زياد إلى دار الإمارة، فساروا ورئيسهم مسعود بن عمرو، فقال لابن زياد: سر معنا، فلم
يفعل، وأرسل معه مواليه على الخيل، وقال لهم لا يحدثنّ خير ولا شر إلا أنبأتمونى به.
فجعل مسعود لا يأتى سكة ولا يتجاوز قبيلة إلّا أتى بعض أولئك الموالى إلى ابن زياد بالخبر، وسارت ربيعة وعليهم مالك بن مسمع فأخذوا سكة المربد، وجاء مسعود فدخل المسجد وصعد المنبر، وعبد الله ابن الحارث فى دار الإمارة، فقيل له، إن مسعود وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم وركبت فى بنى تميم، فقال: أبعدهم الله، والله لا أفسدت نفسى فى صلاحهم، وسار مالك بن مسمع نحو دور بنى تميم حتى دخل سكة بنى العدويّة، فحرق دورهم لما فى نفسه منهم.
وجاء بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها، فقال، لستم بأحقّ بالمسجد منهم، فقالوا: قد دخلوا الدار، فقال: لستم بأحقّ بالدار منهم؛ فأتته امرأة بمجمر وقالت له: مالك وللرياسة؟! إنما أنت امرأة تتجمر.
ثم أتوه فقالوا: إن امرأة منا قد نزعت خلا خيلها، وقد قتلوا الصباغ الذى على طريقك، وقتلوا المقعد الذى كان على باب المسجد.
وقد دخل مالك بن مسمع سكّة بنى العدويّة فحرق، فقال الأحنف:
أقيموا البينة على هذا، ففى بعض هذا ما يحل به قتالهم! فشهدوا عنده على ذلك؛ فقال الأحنف: أجاء عبّاد بن حصين؟ قالوا لا: ثم قال:
أجاء عبّاد؟ قالوا لا. قال: أهاهنا عبس بن طلق قالوا: نعم؛ [فدعاه]
فانتزع معجرا من رأسه فعقده فى رمح ثم دفعه إليه، فقال:
سر، فسار وصاح الناس: «هاجت زبراء» (وزيراء أمة للأحنف كنوا بها عنه).
فسار عبس إلى المسجد، فقاتل الأزد على أبوابه، ومسعود يخطب على [المنبر]، ثم أتوه فاستنزلوه وقتلوه، وذلك أول شوال سنة أربع وستين، وانهزم أصحابه.
وكان ابن زياد قد تهيأ لما صعد مسعود المنبر ليجىء دار الإمارة، فقيل له إن مسعود قد قتل، فركب ولحق بالشام.
وأما مالك بن مسمع فأتاه ناس من مصر فحصروه فى داره وحرقوه.
ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم، فنهبوا ما وجدوا له؛ ففى ذلك يقول واقد بن خليفة التميمىّ.
يا رب جبّار شديد كلبهقد صار فينا تاجه وسلبه
منهم عبيد الله حين تسلبهجياده وبزه وننهبه
يوم التقى مقنبنا ومقنبهلو لم ينجّ ابن زياد هربه
وقد قيل فى قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما قدمناه. وهو أنه لمّا استجار ابن زياد بمسعود بن عمرو وأجاره، ثم سار ابن زياد إلى
الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد حتّى قدموا به إلى الشام، ولما سار من البصرة استخلف مسعودا عليها، فقال بنو تميم وقيس:
لا نرضى إلّا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: قد استخلفنى ولا أدع ذلك أبدا، وخرج حتّى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت نميم إلى الأحنف، فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد قال: إنّما هو لهم ولكم، قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر.
وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عبيد الله إلى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم: إن هذا الرجل الذى قد دخل القصر هو لنا ولكم عدوّ، فما يمنعكم منه؟! فجاءت عصابة منهم حتّى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فرماه علج يقال له مسلم من أهل فارس، كان قد دخل البصرة وأسلم ثم صار من الخوارج، فأصاب قلبه فقتله؛ فقال الناس: قتله الخوارج. فخرج الأزد إلى تلك الخوارج، فقتلوا منهم وجرحوا، وطردوهم عن البصرة، ثم قيل للأزد: إن تميما قتلوا مسعودا، فأرسلوا يسألون، فإذا ناس من تميم تقوله، فاجتمعت الأزد عند ذلك، فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود، ومعهم مالك بن مسمع فى ربيعة، وجاءت تميم إلى الأحنف يقولون: قد خرج القوم؛ وهو لا يتحرك، فأتته امرأة بمجمر فقالت: اجلس على هذا، (أى إنما أنت امرأة)، فخرج الأحنف فى بنى تميم ومعهم من بالبصرة من قيس، فالتقوا، فقتل منهم قتلى كثيرة، فقال لهم بنو تميم:
«يا معشر الأزد، الله الله فى دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن، ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنة فاختاروا
أفضل رجل فينا فاقتلوه، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتل، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندى صاحبكم بمائة ألف درهم». وسفر بينهم عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فطلبوا عشر ديات، فأجابهم الأحنف إلى ذلك، واصطلحوا عليه.
قال: وأما عبد الله بن الحارث «ببّه» فإنه أقام يصلى بالناس حتّى قدم عليهم عمر بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزّبير.
وقيل: كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلّى بالناس، فصلى بهم حتّى قدم عمر، فبقى عمر أميرا شهرا، ثم قدم الحارث بن عبيد الله بن أبى ربيعة المخزومى فعزله ووليها الحارث.
وقيل: بل اعتزل عبد الله بن الحارث «ببّه» أهل البصرة بعد قتل مسعود، فكتب أهل البصرة بعد قتل مسعود إلى ابن الزّبير، وكتب ابن الزّبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلى بالناس، فصلى بهم أربعين يوما.
هذا ما كان من أمر البصرة، فلنذكر خبر أهل الكوفة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع