تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خلافة القاهر بالله

هو أبو منصور محمد بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد و [قد] تقدم ذكر نسبه، وأمّه أمّ ولد اسمها قبول. وهو التاسع عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد مقتل أخيه المقتدر فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. قال. ولمّا قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس كما ذكرناه فقال:/ الرأى ننصب ولده أبا العباس فى الخلافة فإنه تربيتى، وهو صبىّ عاقل فيه دين وكرم ووفاء بما يقول، فإذا جلس فى الخلافة سمحت نفس جدّته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه ببذل الأموال ولم ينتطح فى قتل المقتدر عنزان! فعارضه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختى وقال:

بعد الكدّ استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحالة، لا والله لا نرضى إلا برجل كامل يدبر نفسه ويدبرنا!

وما زال حتى ردّ مؤنسا عن رأيه، وذكر له أبا منصور محمد فأجابه مؤنس إلى ذلك. وكان النوبختى فى ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه! فإنّ القاهر قتله كما نذكر إن شاء الله تعالى، فأمر مؤنس بإحضاره فبايعوه بالخلافة، ولقّبوه القاهر بالله. وكان مؤنس كارها لخلافته والبيعة له ويقول: أنا عارف بشرّه وسوء نيته ولكن لا حيلة! قال: ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه علىّ بن يلبق، وأخذ خطّه بذلك.

ولما استقرّت الخلافة له وبايعه النّاس استوزر أبا علىّ بن مقلة وكان بفارس فاستقدمه، واستحجب علىّ بن يلبق. وشرع القاهر فى البحث عمن استتر من أولاد أخيه المقتدر وحرمه، وأحضر والدته - وكانت مريضة بالاستسقاء- وسألها عن المال/ فاعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشىء من المال والجوهر، فضربها أشدّ ما يكون من الضرب وعلّقها برجلها وضرب المواضع المستورة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه وقالت: لو كان عندى مال لما سلّمت ولدى للقتل! ولم تعترف بشىء وصادر جميع حاشية المقتدر بالله وأصحابه، وأخرج والدته لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنها قد حلّت أوقافها ووكّلت فى بيعها، فامتنعت من ذلك وقالت: قد أوقفتها على أبواب البرّ والقربات

بمكة والمدينة والثّغور وعلى الضعفاء والمساكين ولا أستحل حلّها ولا بيعها، وإنما أوكل فى بيع أملاكى! فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضى والشهود وأشهد هم على نفسه أنه قد حل وقوفها جميعها ووكل فى بيعها، فبيع ذلك كله واشتراه الجند من أرزاقهم.

وتقدم القاهر بكبس الدار التى سعى إليه أنّ أولاد المقتدر اختفوا بها، فلم يزل كذلك إلى أن وجد منهم أبا العباس الراضى وعليّا والعباس وهارون وإبراهيم والفضل فحملوا إلى دار الخلافة فصودروا على مال كثير، وسلّمهم على بن يلبق لكاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم وخدمهم. قال: وقبض الوزير على جماعة من العمال وعزل بنى البريدىّ وصادرهم.

/ ودخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة:

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.