من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عزل أبى جعفر ووزارة سليمان بن الحسن
قال: ولما تولى أبو جعفر الكرخى الوزارة رأى قلة الأموال وانقطاع/ المواد فعجز عن تدبير الحال، وضاق الأمر عليه، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدى حمل الأهواز وأعمالها. وكان ابن بويه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقصت هيبته، فاستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فاستوزر الراضى أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان فى الوزارة كأبى جعفر فى وقوف الحال وقلة المال ! ذكر استيلاء ابن رائق على العراق وتغلب الملوك على الأعمال وخروجهم عن الطاعة وتغير أحوال الوزارة وإبطال الدواوين قال: لما رأى الراضى بالله وقوف الحال بالحضرة ألجأته
الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد. فلما أتاه الرسول فرح بذلك وشرع يتجهز للمسير إلى بغداد، فأنفذ إليه الراضى بالله الساجية وقلّده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولّاه الخراج والمعاون فى جميع البلاد والدواوين.
وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين/ والكتّاب والحجّاب وتأخر الحجرية. فلما استقر الذين نزلوا إلى واسط بها قبض على الساجية فى ذى الحجة ونهب أموالهم ودوابّهم، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفّر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغد لنا وخيّموا بدار الخلافة. وصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، فخلع الخليفة عليه فى أواخر ذى الحجة، وأتاه الحجرية يسلّمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى منازلهم.
وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، فلم يكن الوزير ينظر فى شىء من الأمور، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران فى الأمور جميعها، وكذلك كل من تولّى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون، وبطلت بيوت الأموال. وتغلب أصحاب الأطراف وخلعوا الطاعة، ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فى جميعها لابن رائق ليس
للخليفة حكم. وأما باقى الأطراف فكانت البصرة بيد ابن رائق، وخوزستان والأهواز فى يد البريدى، وفارس فى يد عماد الدّولة ابن بويه، وكرمان فى يد أبى محمد على بن إلياس، والرى وأصفهان والجبل فى يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخى مرداويج يتنازعان عليها،/ والموصل وديار بكر ربيعة ومضر فى يد بنى حمدان، ومصر والشام فى يد إلاخشيد أبى بكر محمد بن طغج والمغرب وأفريقية فى يد أبى القاسم القائم بأمر الله بن المهدى، والأندلس فى يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموى، وخراسان وما وراء النهر فى يد نصر بن أحمد السامانى، وطبرستان وجرجان فى يد الدّيلم، والبحرين واليمامة فى يد أبى طاهر القرمطى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع