من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار من ملك حلب بعد انقراض الدولة السلجقية منها
ملكها الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق باتفاق أهلها فى سنة إحدى عشرة وخمسماية، فتسلمها. وكان له مع الفرنج وقائع كثيرة وحروب يطول شرحها. واستناب بحلب ولده سليمان، فخالفه وعصى عليه. فى سنة خمس عشرة وخمسماية وكان عمره إذ ذاك عشر سنين، فبلغ والده الخبر، فسار مجدا فلم يشعر إلا وقد هجم البلد وقبض على من كان حسن لابنه العصيان، وقتلهم. وكان منهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، كان إيلغازى قد قدمه على أهل حلب وجعل إليه الرئاسة فجازاه بذلك،
فقطع يديه ورجليه وسمله [فمات]. وأراد قتل ولده فمنعته رقة الوالد، واستناب بحلب سليمان شاه ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق، ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين؛ فلم تزل حلب بيده، إلى أن توفى فى سنة ست عشرة وخمسماية بميافارقين. وبقى سليمان بحلب إلى أن استولى عليها، ابن عمه بلك بن بهرام بن أرتق؛ وبقيت بيد بلك إلى أن قتل فى سنة ثمان عشرة وخمسماية وهو يحاصر منبج، وكان قد قبض على صاحبها حسان البعلبكى، وملك المدينة وحاصر القلعة، فأتاه سهم فقتله وكان حسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى مع عمه بلك، فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب، فتسلمها فى العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة، واستولى عليها، وجعل فيها نائبا يثق به، وعاد إلى ماردين. وكان يحب الدعة والرفاهية، فلما عاد إلى ماردين ملك حلب اقسنقر البرسقى صاحب الموصل بمكاتبة من أهلها، لأن الفرنج كانوا حاصروهم وضيقوا عليهم، فكتبوا إليه يستنجدونه، فحضر بعساكره، فرحل الفرنج عنها، وملكها فى ذى الحجة سنة ثمانى عشرة، فكانت بيده إلى أن قتل فى سنة عشرين وخمسماية على يد الباطنية.
وملك بعده ابنه عز الدين مسعود إلى أن توفى فى سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فبقيت بيد نائبه قومان، ثم استناب بعده بها قتلغ، فوصل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فظهر منه بعد
أيام جور عظيم وظلم شديد، ومديده إلى أموال الناس. وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق- الذى كان صاحبها قديما- فأطاعه أهلها، وقبضوا على أصحاب قتلغ الذين بالمدينة فى شوال من السنة، وحاصروه فى القلعة. فسمع الفرنج بذلك فتقدموا إلى المدينة، فصولحوا بمال حتى رحلوا عنها. وداموا على حصار قتلغ بالقلعة إلى منتصف ذى الحجة، ثم ملكها عماد الدين زنكى بن اقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الأتابكية. هذا ما كان من أمر حلب، فلنذكر أخبار دمشق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع