تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خروج آل الجرّاح على الحاكم ومتابعتهم لأبى الفتوح الحسن بن جعفر الحسنى وما كان من أمرهم

كان سبب ذلك أنّ نصر بن عبدون كان بينه وبين بنى المغربى عداوة متمكنة، فسعى بهم عند الحاكم وأغراه، إلى أن أمر بضرب أعناقهم، وذلك فى ثالث ذى القعدة سنة أربعمائة؛ فقتل أخوى الوزير وولده وثلاثة من أهل بيته، واستتر الوزير أبو القاسم بن المغربى وهرب إلى الشام، فى تاسع ذى القعدة منها، والتجأ إلى حسّان بن المفرج بن دغفل بن الجرّاح، واستجار به فأجاره؛ وأنشده عند دخوله عليه:

أمّا وقد خيّمت وسط الغابفليقسونّ على الزّمان عتابى
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
يترنّم الفولاذ دون مخيّمىوتزعزع الخرصان دون قبابى
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وإذا بنيت على الثّنيّة خيمةشدّت إلى كسر القنا أطنابى
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وهى قصيدة مطولة مدح بها آل الجرّاح. فلما سمعها حسّان هشّ لها وجدّد من القول ما طاب به قلب الوزير وسكن جأشه.

ثم حسّن ابن المغربى لبنى الجراح أنّ يخرجوا عن طاعة الحاكم، فوافقوه على ذلك، وقتلوا نارتكين أحد الأمراء الحاكميّة المقيم بالرّملة؛ ثم حسّن لهم أن يقيموا أبا الفتوح الحسن بن جعفر الحسنى خليفة، وهو أمير الحرمين يومئذ، وأن يحضروه من مكّة؛ فأجابوه إلى ذلك، وأسلوا إلى مكّة وأحضروه إليهم. فلمّا قرب أبو الفتوح من ديار بنى الجرّاح خرجوا إليه وتلقّوه، وقبّلوا الأرض بين يديه، وبايعوه بالخلافة ولقبوه الرّاشد بالله.

فحينئذ صعد أبو القاسم بن المغربى المنبر وخطب خطبة يحرّض الناس فيها على الخروج على الحاكم، فأشار إلى مصر وقرأ: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي

الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما [مِنْهُمْ] ما كانُوا يَحْذَرُونَ

فلمّا سمع الحاكم ذلك أزعجه، فندب الجيوش لقتالهم، مع ياروخ تكين العزيزى، فاعترضه حسّان بين رفح والدّاروم، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت أصحاب ياروخ تكين، وأسر هو ونقل إلى الرّملة، وسمع غناء جواريه وحظاياه بحضوره وهو مقيّد معه فى المجلس، وارتكب معه الفواحش العظيمة، ثم قتله صبرا بين يديه.

وبقى الشّام لبنى الجرّاح. فشرع الحاكم يأخذهم بالملاطفة، وراسلهم، وبذل لهم الرّغائب والأموال، والأقمشة والجوارى، وقرّر لكلّ واحد منهم خمسين ألف دينار عينا، واستمالهم عن أبى الفتوح. فاتصل ذلك بأبى الفتوح، فقال لهم: إن أخى قد خرج بمكة، وأخاف أن يستأصل ملكى بها. فأعادوه إلى مكّة فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة. وكان الحاكم قد أرسل إلى الوزير أبى القاسم بن المغربى وكتب له أمانا واستماله، وبنى على أهله تربا فى القرافة وهى ستّ ترب، وتعرف بالسبع قباب إلى هذا الوقت.

ولما ورد أمان الحاكم على أبى القاسم وهو مقيم عند بنى الجراح أجابه برسالة وضمّن أولها بيتين:

وأنت، وحسبى أنت، تعلم أنّ لىلسانا أمام المجد يبنى ويهدم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وليس كريما من تباس يمينهفيرضى، ولكن من يعضّ فيحلم

وسأل آل الجرّاح أن يجهّزوه إلى العراق فجهّزوا معه من أخرجه من بلاد المغاربة؛ وعاد بنو الجرّاح إلى طاعة الحاكم. وأقام ابن المغربى بالعراق إلى أن توفى بميّافارقين فى سنة ثمان عشرة وأربعمائة؛ وحمل إلى الكوفة فدفن بها. ولمّا فارق آل الجراح قدم بغداد وتقلد الوزارة لمشرف الدولة بن بويه كما ذكرنا ذلك فى أخبار الدّولة البويهيّة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.