من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر تفويض السّفارة والوساطة لأحمد بن محمد القشورى وقتله
وفى سنة إحدى وأربعمائة فى يوم الخميس رابع المحرّم استدعى الحاكم النّاس على طبقاتهم إلى القصر فركبوا معه إلى خارج باب الفتوح، ثمّ عاد إلى قصره وأمر من مكان بالموكب بالنّزول إلى القصر، فنزلوا وحضروا فى الإيوان. فخرج من عند الحاكم خادم فأخذ بيد أحمد بن محمد المعروف بالقشورى الكاتب وأخرجه من بين القوم، ثم عاد القشورى وقد خلع
عليه وبيده سجلّ، فأخذه أبو على العبّاسى الخطيب وقرأه على النّاس، فإذا هو يتضمّن تقليده السّفارة والوساطة بين النّاس وبين الحاكم، وتفويض الأمور إليه. وصرف ابن عبدون. وأقام [القشورى] إلى الثالث عشر من الشّهر، فقبض عليه وقت الظّهر وهو فى مجلس ولايته، وضربت رقبته، ولفّ فى حصير ورمى. فكانت ولايته عشرة أيام. وكان سبب ذلك إكرامه للقائد حسين بن جوهر وتعظيمه له وكثرة سؤاله الحاكم فى معناه.
وفوضت هذه الوظيفة فى يوم الأحد رابع عشر الشّهر لأبى الخير زرعة ابن عيسى بن نسطورس النصرانى الكاتب، على عادة من تقدّمه، ولم يخلع عليه إذ ذاك، ثم خلع عليه فى سابع عشر شهر ربيع الآخر منها.
وفى السادس والعشرين منه قرئ بجامع مصر سجلّ يتضمّن النّهى عن معارضة الحاكم فيما يفعله، وترك الخوض فيما لا يعنى، وإعادة حىّ على خير العمل فى الأذان، وإسقاط الصّلاة خير من النّوم، والنّهى عن صلاة التراويح والضّحى.
وفى ثانى عشر شهر جمادى الآخرة دخل قائد القواد الحسين بن جوهر، والقاضى عبد العزيز بن النعمان إلى القصر، وكان قد خلع عليهما فى ثانى صفر، فلمّا أراد الانصراف بعث إليهما زرعة بن نسطورس يقول إن الخليفة يريدكما لأمر يختاره. فجلسا حتى انصرف النّاس، فقتلا وقتل معهما أبو على أخو الفضل بن صالح، ووقعت الحوطة على دارهم.
وفى سنة إحدى واربعمائة قامت دعوة الحاكم بالمدائن، وهى على نصف مرحلة من بغداد، وخطب له بمدينة الأنبار وقصر ابن هبيرة من العراق بدخول مالك بن عقيل بن قراوش بن المقلد فى طاعته وإظهار تشيّعه، وذلك فى أيام الخليفة القادر العباسى. ثم بلغ قراوش بن المقلّد اختلال أمر الحاكم وقتله أرباب دولته وأن المانخوليا غلبت عليه، فأعاد الخطبة العباسيّة.
وفيها قام بدعوة الحاكم بمدينة الجامعين وهى الحلة وما جاورها من العراق الأمير على بن مزيد الأسدى، وكان قد هزم خفاجه واستولى على بلادهم وخطب فيها للحاكم.
وفى سنة اثنتين وأربعمائة تاب الحاكم ونهى عن شرب الخمر وعن كلّ ما يعمل منه، كالزبيب والعسل؛ ونفى المغانى، وحرّم الملوخيا، ومنع أن تقبّل الأرض بين يديه، وأن تقبّل يده، وأن يخاطب بمولانا؛ واقتصر على قولهم السّلام على أمير المؤمنين.
وفى سنة ثلاث وأربعمائة قطعت كروم العنب بأسرها ورميت إلى الأرض ودرست بالبقر، وجمع ما كان من الخمر بالمخازن وأهريق فى البحر. وفيها كسرت جرار العسل؛ وأمر اليهود والنّصارى بلبس العمائم السّود إلا الجبابرة، ومنعوا أن يستخدموا المسلمين؛ وأن يركبوا مع المكّارية؛ وإذا دخل النّصرانى الحمّام يكون الصليب فى عنقه، واليهودى الجلجل؛ ثم أفرد بعد ذلك حمّامات للنّصارى وحمامات لليهود؛ وأسلم جماعة من النصارى فى شهر ربيع الأول.
وفيها فى شهر ربيع الآخر شدّد الحاكم على النّصارى واليهود فى حمل الصّلبان، وأن يكون الصّليب فى طول ذراع وزنته خمسة أرطال، فلما أضرّ ذلك بهم دخلوا فى دين الإسلام.
وفيها فى شهر رمضان أمر الحاكم ببناء مصلّى العيد بسفح المقطّم وأحسن بناءه، وكان قبل ذلك ضيّقا صغيرا، فهدمه الحاكم وبناه على ما هو عليه الآن.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع