تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مسير الملك العزيز إلى الشام والصّلح بينه وبين أخيه الملك الأفضل وعوده إلى القاهرة

قال: وفى تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة تسعين وخمسمائة توجّه الملك العزيز إلى الشام وترك بالقاهرة من الأمراء بهاء الدّين قراقوش وصيرم، وجهّز ثلاثة عشر لواء إلى ثغرى الإسكندريّة ودمياط ومعهم سبعمائة فارس. واستصحب معه من الأمراء سبعة وعشرين أميرا عدتهم تقدير ألفى فارس، ومن الحلقة ألف فارس. فلمّا اتصل بالأفضل خروجه استعدّ وأنفق النّفقات الوافرة، وخرج إلى رأس الماء فى سبعمائة فارس، ولمّا وصل الملك العزيز إلى الغور احتاط على الخاصّ الأفضلى به، وشرع فى إقطاع أعمال الشام. وجهّز من أمرائه: قايماز، وعشرين أميرا، منهم، جهاركس، وميمون القصرى، وسنقر الكبير، والشجاع الخادم، والجناح، وجرديك. فتقدّموا ووقعوا على أطراف العسكر الشّامى، فرجع الأفضل إلى دمشق وغلّقت أبواب البلد لمّا قرب العسكر المصرىّ منها.

وتقدّم العزيز وترك ثقله بمسجد القصب بظاهر دمشق، ونزل هو بالكسوة؛ فاستنجد الأفضل بعمه الملك العادل فحضر إلى دمشق، وحضر الظّاهر من حلب، وناصر الدّين صاحب حماة، وأسد الدّين

صاحب حمص، وعسكر الموصل وغيره. فلمّا رأى العزيز اجتماعهم علم أن لا قدرة له بهذا الجمع، وكتب إلى عمّه العادل يقول: أنا ما خرجت من الدّيار المصريّة إلا لاستنقاذ جبيل من الفرنج، فبلغنى أنّ الملك الأفضل حالف الفرنج علىّ، واستنصر بهم، ووعدهم أن يعيد البلاد إليهم، فاقتضى ذلك سوقنا إليه. وبلغنا أنك تدخل بيننا وبينه، وحوشيت من ذلك، وأنا خير لك من غيرى. وإن أردت أن تكون السّلطان ورئيس الجماعة فأنا راض بذلك.

وكتب لأخيه الملك الظّاهر وغيره من [حكام] الممالك وتردّدت الرّسائل بينهم.

وتقرّرت الحال على أن يكون للملك العزيز البيت المقدّس وما جاوره من أعمال فلسطين؛ وأن تكون دمشق وطبريّة وأعمال الغور للملك الأفضل؛ وأن يعطى الأفضل لأخيه الملك الظّاهر جبلة واللاذقيّة؛ وأن يكون للملك العادل بالدّيار المصريّة إقطاعه الأوّل، وأن يخطب للملك العزيز ببلاده وتنقش السّكّة باسمه؛ وأنّ الملك العزيز يمدّه بألف فارس إعانة له على فتح خلاط.

واجتمع الملك العادل بالملك العزيز، وتزوّج العزيز ابنته، وجاء الملك الظّاهر صاحب حلب إلى أخيه الملك العزيز. وتقرّرت قواعد الصلح.

وتأخّر الملك العزيز إلى الكسوة ثم إلى مرج الصّفّر، ومرض به ثمّ أفاق.

ولمّا عزم على العود إلى الدّيار المصريّة خرج لوداعه سائر الملوك الذين حضروا لنصرة الأفضل، ثم خرج إليه الأفضل فى سابع شعبان

وأدركه بنيق، وهى أعلى الغور، فأكرمه الملك العزيز، وبالغ فى احترامه وساله الأفضل أن يرجع إلى دمشق ليزور قبر أبيه، فأجاب إلى ذلك؛ ثم أشار عليه أصحابه ألّا يفعل، فامتنع. وعاد الأفضل، وسار العزيز إلى الدّيار المصريّة فدخلها فى أواخر شعبان.

وفى مستهلّ جماد سنة تسعين وخمسمائة هبّت رياح عاصفة بالقاهرة من وقت العصر، وسقط فى ثالث الشهر برد كثير أكبره قدر البيض وأصغره قدر النّبق، وصار على جبل المقطم منه شىء كثير كالجبل الثّانى:

ونقل النّاس منه مدّة أربعة أيام؛ ثم سال حتّى ملأ الخندق، ودخل الماء من المرامى الّتى فى السّور إلى القاهرة، وعلا، حتّى خيف على البلد.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.