من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وقوع الصّلح والهدنة العامّة بين المسلمين والفرنج
قال: ولم تزل الحرب قائمة والمراسلات متّصلة بينهم على طلب الصّلح، والسّلطان لا يرضى بما يختارونه، وهم لا يوافقون على ما يريده السّلطان، إلى الحادى والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فوقّعت هدنة عامّة فى البرّ والبحر، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكّا إلى صور، وأدخلوا فى الصّلح طرابلس وأنطاكية.
وأخرج من عمل يافا الرّملة ومجدل يابا ومن عمل عكّا الناصرة وصفّوريّة واشترط خراب عسقلان. ووقعت المصالحة مدّة ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أوّلها مبتدأ أيلول الموافق لهذا التّاريخ، وذلك بعد سؤال ملك الإنكلتير وتكرار رسائله.
قال: ثمّ أمر السّلطان أن ينادى فى الطّرقات والأسواق: ألا إنّ الصّلح قد انتظم، فمن شاء من بلادنا يدخل بلادهم ومن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل.
ووقع له عزم الحجّ فى ذلك المجلس.
ثمّ أمر بإرسال مائة نقّاب لتخريب سور عسقلان وإخراج الفرنج منها، فخرّبت. وكان يوم الصّلح يوما مشهودا واختلط العسكران.
ثمّ اشتدّ المرض بالإنكلتير فرحل ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان وسار معه الكندهرى إلى جهة عكّا، ولم يبق بيافا
إلا مريض أو عاجز. ثم أذن السّلطان للنّاس فى الرّجوع إلى أوطانهم، فسار عسكر إربل والموصل وسنجار؛ وقوى عزمه على الحج.
ثم عاد السّلطان إلى القدس ورتّب أحواله وعيّن الكنيسة التى فى شارع قمامة للبيمارستان ونقل إليه العقاقير والأدوية؛ وأدار سور القدس. وأقام بالقدس إلى يوم الأربعاء رابع شوال، وخرج فى يوم الخميس خامس الشهر قاصدا دمشق. فلمّا انتهى إلى طبريّة وصل إليه بهاء الدين قراقوش الأسدى وقد خلص من الأسر، فاستصحبه معه وكشف القلاع والحصون، ودخل إلى دمشق فى يوم الاثنين السادس عشر من شوّال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة: وجلس النّاس يوم الخميس؛ وأنشده الشّعراء؛ وكان مجلسا عامّا، وعمّ النّاس فيه بعدله. ولم يزل كذلك إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع