تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر اضطراب أمر الملك المظفر ركن الدين

بيبرس الجاشنكير وما كان من أخباره إلى أن خلع نفسه وفارق قلعة الجبل.

كان ابتداء اضطراب أمر دولته أنه خرج من القاهرة الأمير سيف الدين أبغية قبجق والأمير علاء الدين مغلطاى القازانى، والأمير سيف الدين طقطاى أمير مجلس، وجماعة من المماليك السلطانية فارين إلى خدمة السلطان الملك الناصر، وكان خروجهم من القاهرة بعد أذان المغرب من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة ووصولهم إلى خدمة السلطان الملك الناصر إلى الكرك، وطلوعهم إلى قلعتها فى بكرة نهار الأربعاء الثامن والعشرين منه، فأحسن الملك الناصر إليهم، وخلع عليهم، ولما توّجوا أتّهم بعض المماليك السلطانية بمواطأتهم فأمسك منهم نحو ثلاثمائة نفر، وقطعت أخبازهم وأخباز المتسحبين وجرد الأمير سيف الدين برلغى مقدما وصحبته الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، والأمير عز الدين أيبك البغدادى والأمير شمس الدين الدكن ومن معهم من مضافيهم، فبرزوا فى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رجب وخيموا بمسجد التين، ثم عادوا بعد أربعة أيام وكان سبب عودهم أن

الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ورد كتابه على يد أستاذ داره سيف الدين الطنقش يتضمن أن الملك الناصر وصل إلى البرج الأبيض قاصدا دمشق، ورجع إلى الكرك، ثم وصلت كتبه بعد ذلك تتضمن أن الأمراء بالشام مالوا إلى الملك الناصر وأنه يخشى من انتقاض الأمر فعند ذلك شرع الملك المظفر فى النفقة العامة على سائر الجيش، وكملت فى سبعة أيام، وكان الجند يأخذون النفقة ويقول بعضهم لبعض: ادعوا للملك الناصر، وأمر الملك المظفر جماعة من مماليكه، فركب منهم من أمراء الطبلخانات سبعة عشر، ومن أمراء العرب ثلاثة عشر وذلك فى مستهل شهر رمضان من السنة.

وفى هذا التاريخ خرج الأمير سيف الدين برلغى مجّردا فى أربعة آلاف فارس، ثم أردفه بالأمير سيف الدين طغريل الإيغانى فى أربعة آلاف أخر فمرض طغريل فرجع ومات فى عاشر شهر رمضان، وتوفى الأمير عز الدين أيبك الخزندار قبله فى سابع الشهر. ولما خرج هذا العسكر أرسل الملك المظفر للأمراء نقودا ذهبا غير النفقة الأولى فيقال: إن الذى وصل إلى الأمير سيف الدين برلغى فى هذه الحركة ستون ألف دينار عينا.

وفى يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رمضان خرجت جماعة من المماليك السلطانية على الهجن، وقصدوا اللحاق بالسلطان الملك الناصر، فجرّد الملك المظفر فى آثارهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى واقتتلوا فجرح الأمير سيف الدين سموك أخو سلّار، وصارم الدين الجرمكى، وقتل من الفريقين ونجا المماليك السلطانية، والتحقوا بالسلطان الملك الناصر، فجرد الملك المظفر جماعة من الأمراء لحفظ الطرقات، من جملتهم الأمير جمال الدين آقش الرومى الحسامى، فساق فى إثر هذه الطائفة من المماليك فلم

يدركهم، فلما رجع نزل ليستريح ويريح، فوثب عليه من مماليكه فقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى الملك الناصر وحملت جثته إلى القاهرة، وفى أثناء هذه المدة تجمع خلق كثير من الغوغاء والعامة والسوقة وجاءوا تحت القلعة، وأعلنوا بسبّ الملك المظفر فأمسك بعضهم وضرب وطيف به فلم يرتدعوا، ثم جلس المظفر فى يوم الخميس الحادى عشر من شهر رمضان جلوسا عاما وأحضر الخليفة المستكفى بالله أبا الربيع سليمان، وجدّد البيعة لنفسه والتولية بحضور الحكام والأمراء وكتب كتابا بتجديد البيعة، ورسم بقراءته على المنابر، فلما شرع القارئ له فى قراءته استغاثت العامة من كل جانب ليس لنا سلطان إلّا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وأخرت قراءة كتاب البيعة وكتب إلى الأمير سيف الدين برلغى ومن معه من الأمراء والمقدمين وغيرهم أن يجددوا الحلف للسلطان، فاجتمعوا بجملتهم وقرئ عليهم كتاب الخليفة، ونسخة البيعة الثانية، وطلب منهم أن يجدّدوا الحلف فامتنع بعضهم وقال بعضهم قد حلفنا وإن كنا لا نفى باليمين الأولى فلا نفى بالثانية، وانفصلوا من المجلس على غير حلف فلما تفرقوا ركب بعض الأمراء وتوجه نحو الشام للقاء السلطان الملك الناصر خدمة، ودخولا فى طاعته وأنقل الجيش المجرد، فعلم برلغى أن النظام قد انحل وأتاه خبر مقتل آقش الرومى، فعند ذلك ركب وتوجه إلى خدمة السلطان الملك الناصر هو وسائر الأمراء المجردين ورجع بعض الحلقة إلى القاهرة وكان السلطان قد أنفق جملة كثيرة من الأموال، وفرق خيولا كثيرة، وعزم على الخروج بنفسه لحرب السلطان الملك الناصر ودفعه فلما بلغه أن برلغى ومن معه توجهوا إلى السلطان الملك الناصر فت ذلك فى عضده وسقط فى يده وعلم أنه لا بقاء لملكه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.