تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

واستهلت سنة خمس عشرة وسبعمائة. ذكر إرسال العسكر إلى ملطيّة صحبة الأمير سيف الدين تنكر وفتحها

كان السلطان فى ذى الحجة سنة أربع عشرة قد أمر بتجريد جماعة من الجيوش المنصورة المصرية وهم، الأمير سيف الدين بكتمر الأبو بكرى، والأمير سيف الدين قلىّ، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب الناصرى، والأمير سيف

الدين أركتمر الجمدار، ومضافيهم، وكتب إلى الشام أن يتوجّه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام، ويتقدم على سائر الجيوش، فندب الجيوش الشامية وأمرهم بالخروج، فتوجهت ميسرة العسكر الشامى فى السابع والعشرين من ذى الحجة، والميمنة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين، ووصل العسكر المصرى فى يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر إلى دمشق، وتوجه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام فى يوم الإثنين مستهل محرم من هذه السنة ببقية العسكر، واستصحب معه قاضى القضاة نجم الدين صصرى، وشرف الدين بن فضل الله، وجماعة من الموقعين، وجردت العساكر الصفدية والطرابلسية والحمصية، وصاحب حماة وعسكرها، وركب الأمير سيف الدين تنكز بالكوسات والعصائب على عادة الملوك، ووصل إلى حلب فى يوم الجمعة ثانى عشر محرم، وترجّل فى خدمته الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة فمن دونه من سائر النواب والأمراء مقدمى الجيوش وغيرهم، ورحل منها فى يوم السبت ثالث عشر، فلما وصل عينتاب أقام قاضى القضاة نجم الدين بها، وتوجّهت العساكر إلى ملطية فى بكرة الأحد الحادى والعشرين من المحرم، وتقدمهم الجاليش وهو الأمير سيف الدين أركتمر ومن معه، وحاصر ملطية، فتحصن أهلها وضايقها ثلاثة أيام. فلما وصلت العساكر صحبة الأمير سيف الدين تنكز خرج متولىّ ملطية وقاضيها وسألوا الأمان فأمنوا وفى خلال ذلك فتح الأمير سيف الدين أركتمر البلد مما يليه عنوة فسير إليه الأمير سيف الدين تنكز يأمره بكف أصحابه عن النّهب، وقال إن البلد قد فتح بالأمان.

فأجاب إننى فتحته بالسيف وحاصرته ثلاثة أيام، وقاتلنى أهله قبل وصول العسكر، ومكّن من معه من الدخول والنّهب، ومنعهم من الازدحام على الباب، فكان يمكنهم من الدخول مرة بعد أخرى حتى دخلوا البلد، فنهبوا وقتل خلق كثير من الأرمن والنصارى، وأسروا خلقا كثيرا منهم حتى تعدّى ذلك

إلى جماعة من المسلمين، واختفى أكثر الأرمن بالمقابر، وخرّب قطعة من البلد، ورمى النار فيه، ورجع الجيش عنها فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من المحرم إلى عينتاب، ثم إلى مرج دابق.

ولما فتحت ملطية جهّز الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد بالبشارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس الثالث من صفر، وذكر أنه وجد بملطية عند الاستيلاء عليها تسعة عشر ألف نول ينسج الصوف، ونقل أهلها إلى حلب، ولما عادت العساكر عن ملطية نزل بها نائب السلطنة الأمير بدر الدين موسى الأزكشى فى طائفة من العسكر، وبعد توجّه العسكر منها بثلاثة أيام ظهر من كان قد اختفى بها من الأرمن وغيرهم، فوصل إليها أهل كختا وكركر فأحاطوا بها وقتلوا ثلاثمائة من الأرمن، وأسروا مائة أسير وغنموا جملة كثيرة من الأقمشة والأمتعة، ونقلوا جملة من الغلال والحبوب وجهّز إلى الأبواب السلطانية نائب ملطية وهو بدر الدين ميزامير بن الأمير نور الدين وولده وصهره فى نحو ثلاثين نفرا، فوصلوا فى صفر ثم وصل قاضى ملطية وحريم نائبها وجماعة منهم فى نحو مائة وخمسين نفرا إلى دمشق فى نصف صفر، ورسم لقاضيها بالإقامة بدمشق، وأحسن السلطان إلى نائب ملطية وولده وصهره، وجعل لكل منهم إقطاعات وعدّة، واستمرت الجيوش مقيمة ببلاد حلب إلى شهر ربيع الأول، فرحلت يوم الخميس ثامن الشهر، ووصل نائب السلطنة إلى دمشق فى يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول، ثم وصلت بقية العساكر إلى الديار المصرية، ودخلوا القاهرة فى يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخر، وشملهم السلطان بالإنعام والتشريف.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.