من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ولما كان فى عشية يوم الأحد أغارت سرية من العدو
على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد فخرج إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الديار فقطعوهم عن الجيش وفروا أمامهم بجهة أرض المسلمين فتبعوهم طول الليل وأصبحوا بأرض لوشة فاستأصلهم المسلمون بالقتل والأسر، وكان ذلك أول النصر وأصبح المسلمون فى يوم الإثنين وقد غاب من جمعهم هذه الطائفة المشهورة بالشجاعة والرمى، فلم يتوقف الشيخ أبو سعيد عن لقاء العدو بسبب غيبتهم وعزم على الخروج لقتالهم، وذلك يوم عيدهم عيد العنصره وهو الرابع عشرين من حزيران، فخرج إليهم فى طائفة يسيرة من الفرسان مع أبناء أخيه وهما الشيخان الشقيقان أبو يحيى وأبو معروف أمير جيش مالقة ابنا الشيخ الشهيد أبى محمد عبد
الله بن أبى العلاء ومنهم أخوهم الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده ومنهم الشيخ العارف أبو مسعود محمد بن الثابتى ومنهم أمير جيش الخضرا، الشيخ المرابط أبو عطية مناف بن ثابت المغراوى وأمير لوشه الشيخ أبو المكارم ريان بن عبد المؤمن ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع، وأمر مطاع، وخرج مع هؤلاء الفرسان جماعة رجال أنجاد نحو خمسة آلاف رجل من أهل أغرناطة وسلكوا مع الشيخ أبى سعيد طريق الجبل لكونه أمنع، وأوصاهم، أن يكونوا بموضع عينه لهم ووصل فرسان المسلمين الثالثة من النهار إلى قرب الجيش فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم عليهم مع قلتهم بالنسبة إلى كثرة الفرنج، وخرج إليهم وزير ملك الفرنج، فقال ما هذا الذى فعلتموه، وكيف أتيتم والملك فى يوم عيده؟ فارجعوا وابقوا على أنفسكم فإنه إن علم بكم ركب لقتالكم ولا ملجا لكم منه فعند ذلك حصل للشيخ أبى سعيد حال أخرجه عن عقله فنزل عن فرسه باكيا متضرعا إلى الله تعالى، وارتفعت أصوات المسلمين بالدعاء لهم ثم أتاهم من كان قد بقى بأغرناطة من فرسان المسلمين يتبعون آثارهم فحرض الشيخ أبو سعيد المسلمين على قتال عدوهم، وصلى ودعا وبينما هو فى صلاته ركب العدو بجملتهم وحملوا على المسلمين- ولم يعلموا برجال المسلمين التى وصلت من أغرناطة فنزلوا بجهة العلياء من المنزلة الخالية، وقصدوا المسلمين فلم ترعهم كثرتهم واستمر الشيخ أبو سعيد فى صلاته حتى أكملها، ووقف المسلمون ينتظرون ركوبه، ولما رأى العدو ثباتهم توقفوا وتهيئوا وخرج من الفريقين فرسان يحركون القتال فاستشهد أمير رندة فاجتهد أقرباؤه فى أخذ ثأره وأمر الشيخ أصحابه أن يقصدوا طرف المحلة ففعلوا فأفادهم ذلك، ومال الروم إلى جهة المحلة بجملتهم، فألقى الله الرعب فى قلوبهم فانهزموا أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف الإسلامية فما زال المسلمون يقتلونهم من الساعة السابعة إلى الغروب، ولما أظلم الليل أخذ
الفرنج فى الهرب وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغاب الجيش عن أغرناطة ثلاثة أيام وخرج أهل أغرناطة بجمع الأموال وأخذ الأسرى، فاستولوا على الأموال وأسروا وسبوا ما يزيد على خمسة آلاف من الرجال والنساء والأولاد، وأحصى من قتل من العدو فزادوا على خمسين ألفا، ومنهم من قال ستين ألفا، ويقال إنه هلك منهم بالوادى مثل هذا العدد لقلة معرفتهم به وثقلهم بالعدد ولم تبلغ القتلى من المسلمين بالمحلة عشرة وأما الذين قتلوا بالجبال والشعارى وسائر بلاد المسلمين من العدو فلا يحصى عدده كثرة ووجد الملوك الخمسة والعشرون بالمحلة قتلى، منهم دون بطره وعمه دون جوان وعلق دون بطره على باب الحمراء بأغرناطة وأما عمه وكان ممن يخدم المسلمين ففديت جثته بشئ كثير وأسارى وأسر من العدو فى بقية الشهر خلق كثير فكان المسلمون يحتاجون فى كل يوم لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم ويحفظ الدواب خمسة آلاف درهم قال: وزعم الناس أن الذى وجد من الذهب والفضة بالمحلة [كان] سبعين قنطارا ولم يظهر سوى ربع هذا المقدار وأما الدواب والعدد والأخبية فشئ كثير.
قال ولقد عزم على بيع ما يحصل من ذلك وقسمته فتعذر ذلك، واستمر البيع فى الأسرى وبعض الأسلاب والدواب ستة أشهر متوالية ولم يكمل قال وبعضها باق إلى الآن وضجر الناس وملوا من كثرة البيع قال ونهاية عدد ما كان من فرسان المسلمين فى ذلك اليوم بعد رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفان وخمسمائة ولم يستشهد منهم غير أحد عشر رجلا، منهم خالد بن عبد الله المذكور وعمر بن باحرزت، وكان من خيار المسلمين- رحمه الله تعالى- هذا آخر كلامه فى هذا الفصل وبعضه بمعناه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع