من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر تسحب الأمير حسام الدين مهنا وأولاده
ومن يلوذبه من العربان آل فضل من البلاد الشامية ولحاقهم بالعراق وإمرة الأمير محمد شمس الدين محمد بن أبى بكر.
وفى سنة عشرين وسبعمائة تسحب الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وأولاده وإخوته وغيرهم ممن يلوذ بهم وينسب إليهم من آل فضل وفارقوا البلاد الشامية وتوجهوا نحو العراق وسبب ذلك أن السلطان الملك الناصر كان قد أحسن إلى هذه الطائفة من العربان وقدمهم على غيرهم، ووصلهم بالعطايا الجزيلة والإقطاعات الوافرة التى لم يسمع بمثلها، ولا يسمح الملوك بها ولا ببعضها الأكابر النواب وأعيان الأمراء، وكان ينعم على الرجل الواحد من أولاد مهنا بثلاثمائة ألف درهم فما دونها وأقطعهم جلّ الخواص بالبلاد الشامية زيادة على ما بأيديهم ثم طلبوا أكثر خواص القلاع بالممالك الإسلامية فأقطعهم ذلك وأخذوا أيضا بعض إقطاعات الأمراء بالشام وهم لا يطلبون شيئا إلا أنعم عليهم به وأقطعه لهم والسلطان فى غضون هذا الإحسان يقصد وصول الأمير حسام الدين مهنا إلى بابه وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، وتكررت
رسائل السلطان إليه وهو يظهر الطاعة ولا يوافق على الوصول إلى الأبواب السلطانية، ثم خشى عاقبة السلطان، وارتاب من كثرة إنعامه على العربان، فكاتب السلطان مرارا فى استرجاع ما أعطاه لأولاده وإخوته من الزيادات فى الإقطاعات واختصار كثرة الصلات وأن يجرى الأحوال على ما كانت عليه من العوائد والسلطان يأبى ذلك فظن أن الإنعام على هذه الطائفة إنما هو بسببه فلما كان فى شهر ربيع الأول رسم السلطان بتجريد العساكر إلى بلاد سيس فغلب على ظنه أنها تقصده ففارق البلاد ووصل إلى عانة فأمر السلطان بإيقاع الحوطة على إقطاعات العربان من يومه والاحتراز على متحصلاتها، فوض إمرة العرب للأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر بن على بن حذيفه وجهز السلطان الأمير سيف الدين قجليس إلى الشام بنصف عدته وأمر أن يتوجه معه جيش من دمشق لإخراج العربان، فجرد الأمير سيف الدين كجكن فى جماعة من العسكر، ووصل الأمير سيف الدين قجليس إلى دمشق فى حادى عشر جمادى الأولى، فتوجه منها الجمعة ثانى عشر الشهر وصحبته جماعة من العسكر الشامى والأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر، واجتمعوا هم والجيوش المجردة إلى بلاد سيس وساقوا خلف العرب حتى أخرجوهم من بلاد الشام، وكانت مدة غيبة الأمير سيف الدين عن دمشق أربعة أشهر، وعاد فى خامس شهر رمضان إلى دمشق، وكان تأخره هذه المدة بسبب ضبط ما يتحصل من أقطاع العربان النازحين.
وأما الجيش المجرد من دمشق إلى سيس فإنه عاد فى يوم السبت حادى عشر جمادى الآخرة ثم ورد الخبر إلى دمشق من الرحبة فى يوم الأحد ثانى شعبان إلى أن جماعة من عرب مهنا وصلوا إلى بلاد الرحبة لرعى زرعها، فجهز جماعة من الأمراء وقدم عليهم الأمير سيف الدين بهادر آص، وتوجهوا فى يوم الأثنين ثالث شعبان.
وفى جمادى الآخرة من السنة عاد إلى الأبواب السلطانية بعض العربان الذين توجهوا مع مهنا فأمر السلطان بالإفراج عن إقطاعاتهم وإجرائهم على عاداتهم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع