تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

(١٤٩) ذكر ملك الملك المؤيّد هزبر الدين داود

[وهو] ابن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول.

ملك فى ليلة وفاة أخيه الملك الأشرف لسبع خلون من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، وذلك أنه لما مات الأشرف كان والده: الملك الناصر بالقحمة، والملك العادل صلاح الدين بصنعاء، فنهضت عمته الشمسية فى أمره، واستمالت الخدّام ومن بالحصن، فامتثلوا أمرها، وحضر الخدام إلى الملك فظن أنهم يقصدون قتله، فأخبروه بوفاة أخيه الملك الأشرف، وأخرجوه من

الدار التى هو معتقل بها إلى دار السلطنة، فلما شاهد أخاه ميتا سكن روعه عند ذلك، وأصبح الحراس، فأعلنوا بالترحّم على الملك الأشرف، والدعاء والصياح للملك المؤيّد، وكانت حاشية الملك المؤيد قد تفرّقوا، فأعلن المنادى من رأس الحصن بجمعهم من تلك الليلة، فاجتمعوا من خادم ومملوك، وغلام، وحملوا فى المكاتل والحبال، فلما وثق بمن اجتمع له من حاشيته وغلمانه أمر بفتح أبواب الحصن، فكان أول من صعد إلى الحصن، الصاحب حسام الدين حسان بن محمد العمرانى، وزير أخيه الملك الأشرف، فاجتمع بالمؤيد، وحلف له الأيمان المؤكدة، واستحلف له الأمراء والجند وأعيان الدولة،/ وأمر بتجهيز الملك الأشرف وأخرج من الحصن فى تابوته، وأمامه ولدا [المؤيد] المظفر والظافر، وأعيان الدولة، ودفن بمدرسته التى أنشأها بمغرية تعز، وأنشأ تاج الدين بن الموصلى فى ذلك اليوم الكتب عن المؤيّد إلى بلاد التّهايم، وبلاد الجبال بأجمعها، وإلى جهة صنعاء والأشراف يعلمهم أمر سلطنة المؤيد، فدخل الناس فى الطاعة، وأتته كتب الأشراف ورسلها بالتهنئة بالملك، وعقد الصلح، وكانوا عقيب موت الأشرف استولوا على عدة حصون وعلى صعدة فوقع الصلح، وأعيدت الحصون.

وكان حصن الدّملوة بيد الطواشى «فاخر الأشرفى» قد ولاه إياه الملك الأشرف، ونقل إليه ذخائره التى كانت بالتّعكر، وأربعا من بناته، فراسله الملك المؤيد مرارا، فامتنع فاخر من تسليم الحصن، فجهز إليه المؤيد الأمير شمس الدين الطّنبا «أمير جاندار» بالعسكر، فحاصروه، فلم يتمكنوا منه، وامتنع الخادم من تسليمه إلا أن تصل إليه كتب أولاد مولاه الناصر والعادل، فكتب المؤيد إليهما فى ذلك، فكتبا إلى الخادم وأمراه بالتسليم، فامتنع من قبول الكتب، وقال: لا أقبلها حتى يأتينى ثقتيهما، فثقة الناصر خادمه مسك، وثقة العادل أنيس، فأرسل الملكان خادميهما إليه بالرسالة، فاشترط فاخر أن ينزل بجميع المال الذى طلع به من التّعكر، فأجابه المؤيد إلى ذلك، فنزل ببنات مولاه الأربع، وبما كان عنده، واقتسمه الورثة الأشرفية، ولم يكن فيه نقد غير

الأقمشة النفيسة،/ وتسلم نواب الملك المؤيد حصن الدملوة فى السنة المذكورة، وزوج [المؤيد] ولديه الظافر والمظفر باثنتين من بنات عمهما الأشرف، واستمر الوزير حسام الدين بالوزارة، وفى خاطر المؤيد منه ومن أخوته ما فيه.

ثم استوزر الصاحب موفّق الدين على بن محمد فى جمادى الأولى سنة ست وتسعين [وستمائة]، وتمكن منه تمكنا عظيما، وكان بين الملك/ المؤيد وبين الفقيه رضى الدين محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمر اليحيوى صحبة متأكدة، ومودة قديمة، وكان من الصلحاء العلماء الفضلاء، فكره وزارة أخيه، فلم يجتمع به منذ وزر.

ثم قبض الملك المؤيد على جماعة من الأمراء، وهم: نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر، وابن الهكارى، وقبض بعدهما على الطّنبا أمير جاندر، ونقلهم إلى حصن الدملوة، واعتقلهم بمكان يعرف بدار الأدب.

ثم قبض على الوزراء العمرانين: حسام الدين حسان، وأخوته، لأمور بلغته عنهم، وأحضرهم قبل القبض عليهم، وقال لهم: «أنتم قضاة القضاة وبأيديكم أموال الأيتام ودفاترها وحساب الأوقاف». فقالوا: «لا نعلم شيئا منها»، فراجعهم مرارا، فأصروا على الإنكار، فأمر بهجم منازلهم، فوجد بها عدة صناديق فارغة، فسئلوا عما كان فيها، فقالوا: أثاث، ولم يقروا بشىء، وأمر بهم إلى عدن، وبنى لهم سجن مفرد على باب دار الولاية/ فحبسوا به، وأمر بقبض أملاكهم لبيت المال. فقبضت، وكانت كثيرة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.