تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر استعفاء قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى من القضاء بالديار المصرية، وإجابته إلى ذلك، وتفويض القضاء بعده لقاضى القضاة جلال [٢] الدين القزوينى

وكان سبب ذلك أن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى ضعف بصره، ونزل الماء فى إحدى عينيه، وكمل، وتحدر إلى العين الثانية، فقل نظره جدا، وتبين ذلك وظهر فى أواخر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فلما كان فى يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة حضر إلى دار العدل، وأنهى ذلك إلى السلطان، وسأله أن يعفيه من الحكم، وانفصل المجلس ثم أتته الرسالة السلطانية بالإجابة إلى الإعفاء.

واستدعى السلطان ولده القاضى عز الدين عبد العزيز إلى بين يديه فى يوم الجمعة السابع من الشهر، وتحدث معه فى معنىّ والده، وسبب ضعف بصره، وسأله عن الجهات التى بيده، ثم حضر قاضى القضاة بدر الدين فى يوم الاثنين عاشر الشهر أو حادى عشرة إلى مجلس السلطان بدار العدل الشريف، وأعاد السؤال فى الإعفاء، فأجابه السلطان إلى ذلك من غير أن يصرح له بعزله، ثم سأله السلطان عمن يصلح للقضاء، وأن يعين له من يوليه،

فاستعفى من ذلك، ولم يعين، ورسم له فى ذلك المجلس أن يحكم فى قضية كانت بين الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب وبين خصومه، فنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وجلس فى قاعته، وحكم فى عشية نهار الاثنين المذكور بين الأمير سيف الدين وغرمائه، وبلغنى أنه قال لمن حضر مجلسه: «هذا آخر الحكم» وتوجه إلى داره التى بساحل مصر بقرب الجامع الناصرى، واستقر بها وأخلى قاعة التدريس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة.

ورسم له السلطان أن يرتّب له من مال منجّز الخاصّ الشريف فى كل شهر ألف درهم نقرة بحكم استعفائه من الحكم، فكتب له توقيع سلطانى بذلك، ولم يكتب له فيه ما جرت العادة به من النعوت، واستقر بيده من جهاته تدريس زاوية الإمام الشافعى بجامع عمرو بن العاص بمصر، فاستمر يلقى فيها الدرس، واستمر نوابه فى القاهرة ومصر والأعمال على ولايتهم منه، وأحكامهم نافذة.

وذكر بين يدى السلطان من يصلح للقضاء بالديار المصرية، فعين جماعة لم يقع اختياره على أحد منهم، فاجتمع رأى السلطان على إحضار قاضى القضاة جلال الدين محمد بن قاضى القضاة/ سعد الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة إمام الدين عمر القزوينى قاضى القضاة بدمشق، وخطيب الجامع الأموى بها، فرسم بطلبه وأن يحضر على خيل البريد.

وتقرر أن ينقل القاضى كمال الدين بن الزّملكانى قاضى حلب منها إلى دمشق، ويتوجه القاضى جمال الدين الزرعى- الذى كان قاضى الشام وعزل بالقاضى جلال الدين- إلى حلب، ولم ينعقد فى ذلك ولاية.

وتوجه البريد لإحضار قاضى القضاة جلال الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى دمشق فى يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة، وتوجه القاضى جلال الدين من دمشق إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر، فوصل إلى الخانقاة الناصرية بسماسم فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر، ونزل عند شيخها، مجد الدين الأقصرائى، وسأله الشيخ والفقراء أن يخطب لهم بالجامع، فاستأذن الخطيب شهاب الدين أحمد ابن السّبتى فى الخطبة، فأذن له، فخطب وصلى بالناس بالجامع الناصرى بالخانقاه الناصرية، وركب من الخانقاة، ووصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة بكرة نهار السبت التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، وهو سلخه، وحضر بين يدى السلطان، فأكرمه وشافهه بالولاية، وأنعم عليه، وخلع عليه خلعة القضاء، وأنعم عليه ببغلة بسرج وزنّار من جوخ، وقام من/ المجلس السلطانى، وجلس بمصاطب باب القلعة وكتب على الفتيا على عادة القضاة فى ذلك، ونزل من القلعة إلى المدرسة الصالحية، وحكم بين الناس، وأقرّ النواب على ما كانوا عليه من جهة قاضى القضاة بدر الدين، ثم أنعم السلطان عليه بزيادة على معلوم القضاء، واستقر بيده- مما كان بيد القاضى بدر الدين- تدريس المدرسة الصالحية، والمدرسة الناصرية، ودار الحديث، بالكاملية، وخطب بجامع قلعة الجبل

من غير معلوم مع استمرار خطيبه ابن القسطلانى، فصار يخطب جمعة وقاضى القضاة جمعة، هذا إذا كان السلطان بقلعة الجبل، وإذا كان السلطان بالصيد أو غيره خطب الخطيب المستقرّ بمفرده، والجامكية للخطيب خاصة.

وكان قد حضر مع قاضى القضاة جلال الدين ولده القاضى بدر الدين محمد، ففوض السلطان إليه خطابة الجامع الأموى بدمشق، وتدريس المدرسة الشامية الجوّانية، وعاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها فى يوم السبت/ الثانى والعشرين من الشهر، وجلس للتدريس بالمدرسة الشامية فى يوم الأربعاء سابع عشر شعبان من السنة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.